الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
904 [ 907 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن رجل من بني سلمة، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا.

قال الشافعي: وابن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي وسليمان مع ابن أبي يحيى .

التالي السابق


الشرح

الصعب: هو ابن جثامة بن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر بن عون بن عامر بن ليث المديني أخو محلم بن جثامة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

روى عنه: ابن عباس، ومات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.

[ ص: 178 ] ونافع: هو أبو محمد الأنصاري، مولى أبي قتادة الحارث بن ربعي ويقال: هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية.

سمع: أبا قتادة، وأبا هريرة.

وروى عنه: الزهري، وصالح بن كيسان، وسالم أبو النضر، وعمر بن كثير بن أفلح .

وسليمان بن بلال: هو أبو أيوب مولى ابن [أبي] عتيق بن أبي بكر الصديق.

سمع: صالح بن كيسان، ويحيى بن سعيد.

وروى عنه: ابن أبي أويس، وخالد بن مخلد. توفي سنة سبع وسبعين ومائة .

وحديث الصعب أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك.

وحديث أبي قتادة من رواية مالك عن أبي النضر وروايته عن زيد بن أسلم معا، أخرجه البخاري عن إسماعيل، ومسلم عن قتيبة بن سعيد، بروايتهما عن مالك.

وحديث جابر أخرجه أبو داود عن قتيبة عن يعقوب [ ص: 179 ] الإسكندراني عن عمرو بن أبي عمرو، عن الشافعي أنه أحسن حديث روي في هذا الباب، لكن قال أبو عيسى الترمذي: لا يعرف للمطلب سماعا من جابر.

والأبواء: قرية من عمل الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلا، وبها توفيت أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقال: سميت به لتبوء السيول بها.

وودان: قرية من عمل الفرع أيضا، بينها وبين الأبواء ثمانية أميال، والفرع: موضع واسع بأعالي المدينة على طريق مكة.

واستدل بحديث الصعب على أنه لا يجوز للمحرم قتل الصيد إذا كان حيا كما لا يجوز له شراه.

وقال الشافعي: إن كان الصعب أهدى الحمار حيا فليس للمحرم ذبح الحمار الوحشي، وإن كان أهدى له لحما فيحتمل أنه قد علم أنه اصطاد فرده فإنه لا يحل للمحرم ما صيد له .

فأما ما لم يصده المحرم ولا صيد له ولا بإعانته فيجوز أكله لحديث أبي قتادة وجابر، وكأن الشافعي أشار بالترديد الذي ذكره إلى اختلاف الرواية، فروى أكثرهم أنه أهدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا، وفي بعض الروايات الصحيحة أنه أهدى [شق] حمار [ ص: 180 ] وحش، ويروى: عجز حمار.

وقوله: "فلما رأى ما في وجهي" أي: من الحزن والتغير برد الهدية.

وقوله: "إلا أنا حرم" أي: لأنا حرم.

ويدل على أن له الأكل إذا لم يصد ولا صيد له أيضا ما روى مسلم في الصحيح من حديث يحيى القطان، عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله في طريق مكة ونحن محرمون، فأهدوا لنا لحم صيد وطلحة راقد، فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل، فلما استيقظ قال للذين أكلوا: أصبتم، وقال للذين لم يأكلوا: أخطأتم; [فإنا] قد أكلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن حرم .

وامتناعهم في حديث أبي قتادة عن مناولة السوط والرمح لئلا يعاونوه على الصيد وهم محرمون، وفي "الصحيحين" من رواية أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كنت يوما جالسا مع رهط من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في منزل في طريق مكة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نازل أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم، قال: فأبصر القوم حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنوني به، فالتفت فأبصرته فقمت إلى فرسي فأسرجته ثم ركبته ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح.

فقالوا: لا نعينك عليه بشيء، فنزلت فأخذتهما وركبت فشددت [ ص: 181 ] عليه فقتلته، ثم جئت به أجره فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألناه عن ذلك فقال: "معكم منه شيء؟" قلت: نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم حتى تعرقها .


وهذا الذي ذكرنا من مذهب عطاء بن أبي رباح ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق والأكثرون، وعن ابن عباس أن لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال، وبه قال طاوس وسفيان الثوري.

ونختم الفصل بكلامين:

أحدهما: رواية الشافعي عن مسلم وسعيد بن سالم عن ابن جريج بين حديث الصعب وحديث أبي قتادة غير مسوقة بتمامها، وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي أن بعضهم توهم أنه طريق لحديث أبي قتادة وليس كذلك، وإنما أراد ما قدمنا من حديث طلحة بن عبيد الله الذي رواه ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي ، وكان الشافعي بمصر، وربما كتب في كتابه بعض الإسناد ويترك الباقي، أو الإسناد وبعض المتن ويبيض الموضع أو يعلم عليه ليتمه من بعد، فإن كتبه كانت غايته عنه ثم لم يتفق له ذلك في بعض المواضع.

والثاني: قول الشافعي آخرا أن ابن يحيى أحفظ من الدراوردي وسليمان معه قصد به ترجيح رواية إبراهيم بن محمد بن يحيى المذكورة أولا وهي أنه روى عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن جابر، فسمى الرجل، والدراوردي أرسل فروى عن عمرو عن رجل من [ ص: 182 ] بني سلمة عن جابر، فرجح رواية إبراهيم فإنه أحفظ وأن سليمان وافقه فيكون أقرب إلى الصواب.




الخدمات العلمية