الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( و ) ينقطع أيضا بمفارقة متولي الطرفين بمجلسه ( وبالتفرق ببدنهما ) [ ص: 338 ] أي العاقدين وإن وقع من أحدهما فقط ولو نسيانا أو جهلا لا بروحهما لما يأتي في الموت وذلك لخبر البيهقي { البيعان بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما } وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا باع قام فمشى هنيهة ثم رجع وقضيته حل الفراق خشية من فسخ صاحبه ، وخبر { ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله } محمول الحل فيه على الإباحة المستوية الطرفين ومحله إن تفرقا عن اختيار فلو حمل أحدهما مكرها بقي خياره لا خيار الآخر إن لم يتبعه إلا إذا منع وإن هرب بطل خيارهما لأن غير الهارب يمكنه الفسخ بالقول مع عدم عذر الهارب بخلاف المكره فكأنه لا فعل له ويؤخذ من التعليل بتمكنه من الفسخ أن غير الهارب لو كان نائما مثلا [ ص: 339 ] لم يبطل خياره وهو محتمل ، وعند لحوقه لا بد أن يلحقه قبل انتهائه إلى مسافة تحصل بمثلها المفارقة عادة وإلا سقط خياره لحصول التفرق حينئذ ويبطل البيع بانعزال الوكيل في المجلس على ما في البحر لبطلان الوكالة قبل تمام البيع ويوجه بأن لمجلس العقد حكمه بدليل إلحاقهم الشرط الواقع في مجلسه بالواقع فيه فكان انعزاله في مجلسه كانعزاله قبل تمام الصيغة وبه يعلم أن خيار الشرط في ذلك كخيار المجلس إذ لا فرق بينهما في إلحاق الشرط كما صرحوا به ( فلو طال مكثهما ) في المجلس ( أو قاما وتماشيا منازل ) ولو فوق ثلاثة أيام ( دام خيارهما ) لعدم تفرق بدنهما .

                                                                                                                              ( ويعتبر في التفرق العرف ) فما يعده الناس فرقة لزم به العقد وما لا فلا إذ لا حد له شرعا ولا لغة ففي دار أو سفينة صغيرة بالخروج منها أو رقي علوها وكبيرة بخروج من محل لآخر كمن بيت لصفة وبمتسع كسوق ودار تفاحشت سعتها بتولية الظهر والمشي قليلا ولا يكفي بناء جدار وإرخاء ستر بينهما إلا إن كان بفعلهما أو أمرهما فإن كان من أحدهما فقط بطل خياره لا خيار الآخر إلا إن قدر على منعه أو لم يتلفظ بالفسخ فيما يظهر كما لو هرب وفي متبايعين من بعد بمفارقة محل البيع لا إلى جهة الآخر ولا بالعود لمحله بعد المضي إلى الآخر هذا ما بحثه جمع واعترض بأن القياس انقطاعه بمفارقة أحدهما مكانه ووصوله لمحل لو كان الآخر معه بمجلس العقد عد تفرقا وقد يجاب بأن ما بينهما من التباعد حالة العقد صار كله حريم العقد فلم يؤثر مطلقا ومر أول البيع بقاء خيار الكاتب إلى انقضاء خيار المكتوب إليه بمفارقته لمجلس قبوله

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قول المصنف ببدنهما ) ( فرع ) كاتب بالبيع غائبا امتد خيار المكتوب - [ ص: 338 ] إليه مجلس بلوغ الخبر وامتد خيار الكاتب إلى مفارقته المجلس الذي يكون فيه عند وصول الخبر للمكتوب إليه م ر وفي فتاوى الشارح نقل ذلك عن البلقيني في حواشي الروض خلافا لظاهر الروضة ( قوله : محمول الحل فيه على الإباحة المستوية ) يؤيد أو يعين حمله على ذلك أن ابن عبد البر بعد أن أشار على بعد إلى أنه على وجه الندب نقل الإجماع على أن له أن يفارقه لينفذ بيعه ( قوله : فلو حمل أحدهما مكرها ) قال في الروض وكذا إذا أكره أي على الخروج من المجلس ( قوله : بقي خياره ) أي حتى في الربوي خلافا لما في شرح الروض إلا أن يزول الإكراه ويفارق مجلس زواله كما هو ظاهر ( قوله : إن لم يتبعه ) لو لم يتبعه كأن منع وفارق المجلس فينبغي انقطاع خيارهما لأن عذر المكره بالإكراه غايته أن يجعله كالباقي في المجلس وهو لو بقي في المجلس وفارقه الآخر انقطع خيارهما ، لا يقال بل عذر المكره المذكور يجعله بعد مفارقة الآخر المجلس كالمكره على ترك تباعه لأن الإكراه على ترك اتباعه لا يمنع انقطاع خيارهما أخذا من مسألة الهرب المذكورة لأن مفارقة الآخر كمفارقة الهارب ( قوله : أن غير الهارب لو كان نائما ) ينبغي جريان ذلك فيما لو كان أحدهما نائما [ ص: 339 ] وفارق الآخر مختارا هذا ويحتمل انقطاع الخيار فيهما وهو قضية التعليل الآخر .

                                                                                                                              ( قوله : ويبطل البيع ) المعتمد عدم البطلان ( قوله : كانعزاله قبل تمام الصيغة ) قد يقال لو صح هذا كان نحو موت العاقد وجنونه في المجلس كهو قبل تمام الصيغة فكان يلزم بطلان البيع وليس كذلك كما يصرح به ما سيأتي ( قوله : بتولية الظهر والمشي ) ظاهره اعتبار التولية والمشي ( قوله : إلا إن كان بفعلهما ) المعتمد خلافه ( قوله : لا خيار الآخر ) فيه نظر وقوله : إلا إن قدر إلخ قضيته أن محل عدم بطلان خيار الآخر إذا عجز وتلفظ بالفسخ ولا يخفى أنه مع - [ ص: 340 ] التلفظ به لا يبقى خياره



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله : وينقطع أيضا بمفارقة إلخ ) دفع لما يتوهم من أن خياره إنما ينقطع بالقول لأن مفارقة محله كمفارقة العاقدين من المجلس وهو لا يقطع الخيار وإن تماشيا منازل كما يأتي وكان الأولى تأخيره عن قول المصنف وبالتفرق إلخ ا هـ ع ش عبارة المغني لو تبايع شخصان ملتصقان دام خيارهما ما لم يختارا أو أحدهما بخلاف الأب إذا باع لابنه أو اشترى منه وفارق المجلس انقطع الخيار لأنه شخص واحد لكنه أقيم مقام اثنين بخلاف الملتصقين فإنهما شخصان حقيقة بدليل أنهما يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ا هـ قول المتن ( وبالتفرق ببدنهما ) .

                                                                                                                              ( فرع ) كاتب بالبيع غائبا امتد خيار المكتوب إليه مجلس بلوغ الخبر وامتد خيار الكاتب إلى مفارقته المجلس الذي يكون عند وصول الخبر للمكتوب إليه م ر وفي فتاوى الشارح نقل ذلك عن البلقيني في حواشي الروضة خلافا لظاهر الروضة [ ص: 338 ] انتهى سم على حج وسيأتي في كلام الشارح م ر ما يقتضي خلافه من امتداد خيار الكاتب إلى انقطاع خيار المكتوب إليه ا هـ ع ش ( قوله : أي العاقدين ) إلى قوله ويبطل البيع في النهاية .

                                                                                                                              ( قوله : مكرها ) أي بغير حق ولو لم يسد فمه ا هـ مغني زاد النهاية ولو كان المبيع ربويا ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : وصح عن ابن عمر إلخ ) دفع لما يوهمه الحديث من اشتراط التفرق منهما معا قال السيد عمر كان وجه فعله له مع أن الورع اللائق به تركه بيان الحكم الشرعي بالفعل فإنه أبلغ منه بالقول ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : هنيهة ) أي قليلا ا هـ ع ش ( قوله : محمول الحل فيه إلخ ) يؤيد أو يعين حمله على ذلك أن ابن عبد البر بعد أن أشار إلى أنه على وجه الندب نقل الإجماع على أن له أن يفارقه لينفذ بيعه ا هـ سم ( قوله : الإباحة المستوية إلخ ) أي فتكون المفارقة بقصد ذلك مكروها ولا يلزم منه أن فعل ابن عمر كان مكروها لجواز أن لا تكون مفارقته لذلك بل لغرض جواز التصرف فيه ا هـ ع ش ( قوله : فلو حمل أحدهما إلخ ) وكذا لا ينقطع خياره إذا أكره على الخروج ولو لم يسد فمه روض ومغني ( قوله : بقي خياره ) أي حتى في الربوي خلافا لما في شرح الروض إلى أن يزول الإكراه ويفارق مجلس زواله كما هو ظاهر ا هـ سم عبارة ع ش فلو زال الإكراه كان موضع زوال الإكراه كمجلس العقد فإن انتقل منه إلى غيره بحيث يعد مفارقا له انقطع خياره ومحله كما هو ظاهر حيث زال الإكراه في محل يمكنه المكث فيه عادة أما لو زال وهو في محل لا يمكن المكث فيه عادة كلجة ماء لم ينقطع خياره بمفارقته لأنه في حكم المكره على الانتقال منه لعدم صلاحية محله للجلوس وعليه فلو كان أحد الشاطئين للبحر أقرب من الآخر فهل يلزم قصده حيث لا مانع أو لا ويجوز له التوجه إلى أيهما شاء ولو بعد فيه نظر وقياس ما لو كان لمقصده طريقان طويل وقصير فسلك الطويل لا لغرض حيث الأظهر فيه عدم الترخص انقطاع خياره هنا فليراجع فليتأمل ا هـ ع ش ( قوله : لا خيار الآخر ) أي فلا يبقى ا هـ ع ش ( قوله : إن لم يتبعه ) لو لم يتبعه كأن منع وفارق المجلس فينبغي انقطاع خيارهما ا هـ سم ( قوله : إلا إذا منع ) أي من الخروج معه وانظر ما لو زال إكراهه بعد هل يكلف الخروج عقب زوال الإكراه ليتبع صاحبه أو لا ويغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء فيه نظر والأقرب الأول وينبغي أن محل الانقطاع بعد الخروج إذا عرف محله الذي ذهب إليه وإلا فينبغي أن لا ينقطع خياره إلا بعد انقطاع خيار الهارب ا هـ ع ش ( قوله : وإن هرب ) أي أحدهما مختارا أما لو هرب خوفا من سبع أو نار أو قاصد له بسيف مثلا فالظاهر أنه من القسم الأول وإن لم يكن في ذلك إكراه على خصوص المفارقة سم على منهج وينبغي أن مثل ذلك إجابة النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينقطع بها الخيار إذا فارق مجلسه لها ا هـ ع ش عبارة المغني والنهاية ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر بطل خياره كخيار الهارب ولو لم يتمكن من أن يتبعه لتمكنه من الفسخ بالقول ولأن الهارب فارق مختارا بخلاف المكره ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : بطل خيارهما ) أي مطلقا نهاية أي سواء منع الآخر من اتباعه أم لا ا هـ رشيدي ( قوله : أن غير الهارب إلخ ) ينبغي جريان ذلك فيما لو كان أحدهما نائما وفارق [ ص: 339 ] الآخر مختارا ا هـ سم ( قوله : نائما مثلا ) أي كأن كان مغمى عليه لا مكرها لتمكنه من الفسخ بالقول ا هـ رشيدي ( قوله : لم يبطل خياره ) معتمد ا هـ ع ش ( قوله : وعند لحوقه إلخ ) تقييد لمفهوم قيد ولم يتبعه المصرح به في مسألة الإكراه والمعتبر في مسألة الهارب كما مر ( قوله : وإلا سقط خياره لحصول التفرق حينئذ ) زاد النهاية عقبه ما نصه كما في البسيط ويحمل عليه ما نقله في الكفاية عن القاضي من ضبطه بفوق ما بين الصفين ا هـ وقوله : م ر من ضبطه أي المسافة التي يحصل بمثلها المفارقة عادة وقوله : م ر بفوق ما بين الصفين قال ع ش وهو ثلاثة أذرع ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : ويبطل البيع إلخ ) خلافا للنهاية والمغني عبارة سم المعتمد عدم البطلان م ر ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : على ما في البحر ) لم يتعقبه هنا لكن يؤخذ من قوله بعد أن الحق ينتقل بموت العاقد أو جنونه أو إغمائه للموكل عدم اعتماده وعليه فتستثنى هذه من قولهم الواقع في مجلس العقد كالواقع في صلبه وينتقل الخيار بذلك للموكل كما يأتي ا هـ ع ش ( قوله : كانعزاله إلخ ) قد يقال لو صح هذا كان نحو موت العاقد وجنونه في المجلس كهو قبل تمام الصيغة وكان يلزمه بطلان البيع وليس كذلك كما يصرح به ما سيأتي ا هـ سم ( قوله : في ذلك ) أي في عزل الموكل وكيله ا هـ ع ش ( قوله : ولو فوق ثلاثة أيام ) أي أو أعرضا عما يتعلق بالبيع نهاية ومغني ( قوله : لعدم تفرق بدنهما ) أي عدم اختيار لزوم العقد ا هـ ع ش ( قوله : ففي دار إلخ ) أي أو مسجد صغير نهاية ومغني ( قوله : صغيرة ) راجع لكل من المتعاطفين ( قوله : أو رقي علوها ) أي أو شيء مرتفع فيها كنخلة مثلا ومثل ذلك ما لو كان فيها بئر فنزل فيها فيما يظهر ا هـ ع ش ( قوله : وكبيرة ) أي أو مسجد كبير ويمكن إدراجه في قوله الآتي وبمتسع .

                                                                                                                              ( قوله : بالخروج من محل إلخ ) ظاهره ولو كان البائع قريبا من الباب وهو ما في الأنوار عن الإمام والغزالي سم على المنهج ويظهر أن مثل ذلك ما لو كانت إحدى رجليه داخل الدار معتمدا عليها فأخرجها ا هـ ع ش ( قوله : كمن بيت إلخ ) والنزول إلى الطبقة التحتانية تفرق كالصعود إلى الفوقانية ا هـ نهاية ( قوله : وبمتسع إلخ ) عطف على قوله في دار ( قوله : كسوق إلخ ) أي وصحراء وبيت متفاحش السعة نهاية ومغني ( قوله : بتولية الظهر إلخ ) وكذا لو مشى القهقرى أو إلى جهة صاحبه كما يأتي ا هـ ع ش قال سم ظاهره اعتبار التولية والمشي ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : قليلا ) قال في الأنوار والمشي القليل ما يكون بين الصفين إلى ثلاثة أذرع ا هـ نهاية ( قوله : إلا إن كان بفعلهما إلخ ) المعتمد خلافه سم ونهاية ومغني ( قوله : لا خيار الآخر ) فيه نظر ( وقوله : إلا إن قدر إلخ ) قضيته عدم بطلان خيار الآخر إذا عجز وتلفظ بالفسخ ولا يخفى أنه مع التلفظ به لا يبقى خياره ا هـ سم أي ولو مع القدرة فكان ينبغي أن يقول أو تلفظ بالفسخ ( قوله : وفي متبايعين من بعد إلخ ) عطف على قوله في دار إلخ ( قوله : لا إلى جهة الآخر إلخ ) ظاهر كلام المحلي اعتماده ا هـ ع ش ( قوله : بأن القياس إلخ ) اعتمده النهاية والمغني .

                                                                                                                              ( قوله : ومر أول البيع ) إلى الفصل في النهاية والمغني ( قوله : بمفارقته لمجلس قبوله ) ظاهره وإن فارق الكاتب مجلسه بعد علمه ببلوغ الخبر للمكتوب إليه وعليه فلا يعتبر للكاتب مجلس أصلا ولكن قال سم على منهج نقلا عن الشارح م ر بانقطاع خيار الكاتب إذا فارق مجلسا علم فيه بلوغ الخبر للمكتوب إليه ا هـ ويوافق الظاهر ما جزم به شيخنا الزيادي في حاشيته من قوله كما في الكتابة لغائب لا ينقطع خيار [ ص: 340 ] الكاتب إلا بمفارقة المكتوب إليه فكذا هنا على العقد خلافا لوالد الروياني ا هـ ع ش




                                                                                                                              الخدمات العلمية