الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( باع أمة تعدل ألف درهم مع طوق ) فضة في عنقها ( قيمته ألف ) إنما بين قيمتهما ليفيد انقسام الثمن على المثمن أو أنه غير جنس الطوق ، وإلا فالعبرة لوزن الطوق لا لقيمته فقدره مقابل به والباقي بالجارية ( بألفين ) متعلق بباع - [ ص: 261 ] ( ونقد من الثمن ألفا أو باعها بألفين ألف نقد وألف نسيئة أو باع سيفا حليته خمسون ويخلص بلا ضرر ) فباعه ( بمائة ونقد خمسين فما نقد ) فهو ( ثمن الفضة سواء سكت أو قال خذ هذا من ثمنهما ) تحريا للجواز ، وكذا لو قال هذا المعجل حصة السيف ; لأنه اسم للحلية أيضا لدخولها في بيعه تبعا ، ولو زاد خاصة فسد البيع لإزالته الاحتمال [ ص: 262 ] ( فإن افترقا من غير قبض بطل في الحلية فقط ) وصح في السيف ( أن يخلص بلا ضرر ) كطوق الجارية ( وإن لم يخلص ) إلا بضرر ( بطل أصلا ) والأصل أنه متى بيع نقد مع غيره كمفضض ومزركش بنقد من جنسه شرط زيادة الثمن ، فلو مثله أو أقل أو جهل بطل ولو بغير جنسه - [ ص: 263 ] شرط القابض فقط .

التالي السابق


( قوله : باع أمة إلخ ) حاصل هذه المسائل أن الجمع بين النقود وغيرها في البيع لا يخرج النقود عن كونها صرفا بما يقابله من الثمن نهر . ( قوله : قيمته ألف ) كون قيمة الجارية مع الطوق متساويين ليس بشرط ، بل إذا بيع نقد مع غيره من جنسه لا بد أن يزيد الثمن على النقد المضموم إليه ، فلو قال مع طوق زنته ألف بألف ومائة لكان أولى نهر . ( قوله : إنما بين قيمتهما إلخ ) أشار إلى ما اعترض به الزيلعي من أن في عبارة المصنف تسامحا ; لأنه ذكر القيمة في كل منهما ، ولا تعتبر القيمة في الطوق وإنما يعتبر القدر عند المقابلة بالجنس ، وكذا لا حاجة إلى بيان قيمة الجارية ; لأن قدر الطوق مقابل به والباقي بالجارية قلت قيمتها أو كثرت ، فلا فائدة في بيان قيمتها إلا إذا قدر أن الثمن بخلاف جنس الطوق فحينئذ يفيد بيان قيمتها ; لأن المثمن ينقسم عليهما على قدر قيمتها ا هـ . وبه ظهر أن تقييد الشارح أولا الطوق بكونه فضة لا يناسب ما ذكره من الانقسام إلا أن يحمل الألف في قوله : قيمته ألف على أنه من الذهب : أي ألف مثقال ، لكن قوله أو أنه غير جنس الطوق ينافي ذلك وقد تبع فيه العيني ، وصوابه إذا كان غير جنس الطوق فيوافق ما أجاب به الزيلعي ; لأن الانقسام المذكور إنما يكون عند اختلاف الجنس ، وبعد هذا يرد عليه كما قال ط إنه عند اختلاف الجنس لا تعتبر القيمة بل يشترط التقابض كما سيذكره في الأصل الآتي [ ص: 261 ] وفي المنح : ولو بيع المصوغ من الذهب أو المزركش منه بالدراهم فلا يحتاج إلى معرفة قدره ، وهل هو أقل أو أكثر ؟ بل يشترط القبض في المجلس ، فلو بيع بالذهب يحتاج إلخ .

قلت : وقد يجاب بأن بيان القيمة له فائدة وإن اختلف الجنس وذلك عند استحقاق الطوق أو الجارية تأمل . ( قوله : ألف نقد وألف نسيئة ) قيد بتأجيل البعض ; لأنه لو أجل الكل فسد البيع في الكل عنده ، وقالا في الطوق فقط ، وتمامه في البحر ، وذكر في الدرر أنه لو نقد ألفا في تأجيل الكل فهو حصة الطوق . واعتراضه في الشرنبلالية بأنه فاسد من الأصل على قول الإمام فلا يحكم بصحته بنقد الألف بعده . وأجيب بأنه إذا نقد حصة الصرف قبل الافتراق يعود إلى الجواز لزوال المفسد قبل تقرره كما مر في اشتراط الأجل . ( قوله : ويخلص بلا ضرر ) الأولى إسقاطه كما فعل في الكنز ، وقد تبع المصنف في ذكره الوقاية والدرر . واعترضهم في العزمية وغيرها ، وأيضا فلا معنى لكونه شرطا في هذه المسألة ; لأن البيع صح في الكل ، وأجيب بأنه يفهم ما إذا تخلص بضرر بالأولى ، نعم ذكره عند قوله الآتي فإن افترقا في محله . ( قوله : ونقد خمسين ) أي والخمسون الباقية دين أو نسيئة ط مطلب يستعمل المثنى في الواحد

( قوله : تحريا للجواز ) إذ الظاهر قصدهما الوجه المصحح ; لأن العقد لا يفيد تمام مقصودهما إلا بالصحة فكان هذا الاعتبار عملا بالظاهر . والظاهر يجب العمل به إلا إذا صرح بخلافه كما يأتي ، وقوله خذ هذا من ثمنهما لا يخالفه ; لأن المثنى استعمل في الواحد أيضا كما في قوله تعالى { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } وقوله تعالى { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } والرسل من الإنس وقوله تعالى { نسيا حوتهما } ، وقوله صلى الله عليه وسلم { إذا سافرتما فأذنا وأقيما } وتمامه في الفتح قال في البحر : ونظيره في الفقه إذا حضتما حيضة أو ولدتما ولدا علق بإحداهما للاستحالة ، بخلاف ما إذا لم يذكر المفعول به للإمكان . ( قوله : لأنه اسم للحلية أيضا إلخ ) عبارات الزيلعي ; لأنهما شيء واحد ا هـ ، وبه يظهر أنه في مسألة الجارية المطوقة لو قال خذ هذا من ثمن الجارية يفسد البيع ، وبه صرح في النهر . ( قوله : ولو زاد خاصة فسد البيع ) أي بأن قال هذا المعجل حصة السيف خاصة . وعبارة المبسوط : انتقض البيع في الحلية ، وظاهره أنه يصح في السيف دون الحلية ، وعليه فكان المناسب أن يقول فسد الصرف ، لكن هذا محمول على ما إذا كانت الحلية تتميز بلا ضرر لإمكان التسليم ، وبهذا الحمل وفق الزيلعي بين ما في المبسوط وبين ما في المحيط من أنه لو قال هذا من ثمن النصل خاصة ، فإن لم يمكن التمييز إلا بضرر يكون المنقود ثمن الصرف ويصحان جميعا ; لأنه قصد صحة البيع ولا صحة له إلا بصرف المنقود إلى الصرف فحكمنا بجوازه تصحيحا للبيع ، وإن أمكن تمييزها بلا ضرر بطل الصرف ا هـ ، ولا يخفى حسن هذا التوفيق ; لأنه إذا صح البيع والصرف مع ذكر النصل يجعل المنقود ثمنا للحلية التي لا يمكن تمييزها إلا بضرر يلزم أن يصح مع ذكر السيف بالأولى ، إذ لا شك أن لفظ النصل أخص من لفظ السيف ; لأن السيف يطلق على النصل والحلية ، وبه اندفع ما في البحر ، نعم في كلام الزيلعي نظر من وجه آخر بيناه فيما علقناه على البحر . [ ص: 262 ] تنبيه ]

بقي ما لو قال نصفه من ثمن الحلية ونصفه من ثمن السيف فالمقبوض من ثمن الحلية كما في الزيلعي . والظاهر حمله على ما إذا لم يمكن تمييزه بلا ضرر ، فلو أمكن فسد الصرف في نصف الحلية ، يدل عليه ما في كافي الحاكم ، ولو باع قلب فضة فيه عشرة وثوبا بعشرين درهما فنقده عشرة وقال نصفها من ثمن القلب ونصفها من ثمن الثوب ثم تفرقا وقد قبض القلب والثوب انتقض البيع في نصف القلب . وأما في السيف إذا سمى فقال نصفها من ثمن الحلية ونصفها من ثمن نصل السيف ثم تفرقا لم يفسد البيع ا هـ ، تأمل وانظر ما علقناه على البحر . ( قوله : وصح في السيف ) لعدم اشتراط قبض ثمنه في المجلس نهر . ( قوله : كطوق الجارية ) الأولى كالجارية المطوقة ; لأنه إذا تخلص السيف عن حليته بلا ضرر يقدر على تسليمه فيصير كبيع الجارية مع طوقها . ( قوله : بطل أصلا ) أي بطل بيع الحلية والسيف لتعذر تسليم السيف بلا ضرر كبيع جذع من سقف نهر . مطلب في بيع المموه [ تتمة ]

قال في كافي الحاكم : وإذا اشترى لجاما مموها بفضة بدراهم أقل مما فيه أو أكثر فهو جائز ; لأن التمويه لا يخلص ; ألا ترى أنه إذا اشترى الدار المموهة بالذهب بثمن مؤجل يجوز ذلك وإن كان ما في سقوفها من التمويه بالذهب أكثر من الذهب في الثمن ا هـ . والتمويه : الطلي . ونقل الخير الرملي نحوه عن المحيط ، ثم قال : وأقول يجب تقييد المسألة بما إذا لم تكثر الفضة أو الذهب المموه . أما إذا كثر بحيث يحصل منه شيء يدخل في الميزان بالعرض على النار يجب حينئذ اعتباره ولم أره لأصحابنا : لكن رأيته للشافعية وقواعدنا شاهدة به فتأمل ا هـ . ( قوله : والأصل إلخ ) أشار به إلى فائدة قوله فباعه بمائة أي بثمن زائد على قدر الحلية التي من جنس الثمن ليكون قدر الحلية ثمنا لها والزائد ثمنا للسيف ، إذ لو لم تتحقق الزيادة بطل البيع . أما لو كان الثمن من خلاف جنسها جاز البيع كيفما كان لجواز التفاضل كما في البحر ، ومقتضاه أن المؤدى من خلاف الجنس وإن قل يقع عن ثمن الحلية وغير المؤدى يكون ثمن النصل تحريا للجواز . مطلب في بيع المفضض والمزركش وحكم علم الثوب . ( قوله : كمفضض ومزركش ) الأول ما رصع بفضة أو ألبس فضة كسرج من خشب ألبس فضة ، والثاني في العرف هو المطرز بخيوط فضة أو ذهب ، وبه عبر في البحر . وأما حلية السيف فتشمل ما إذا كانت الفضة غير ذلك كقبيعة السيف تأمل ، وخروج المموه كما علمت آنفا . [ تنبيه ]

لم يذكر حكم العلم في الثوب وفي الذخيرة : وإذا باع ثوبا منسوجا بذهب بالذهب الخالص لا بد لجوازه من الاعتبار ، وهو أن يكون الذهب المنفصل أكثر ، وكان ينبغي أن يجوز بدونه ; لأن الذهب الذي نسج خرج عن كونه وزنيا ; ولذا لا يباع وزنا ، لكنه وزني بالنص فلا يخرجه عن كونه مال ربا . ثم قال : وفي المنتقى إن في اعتبار الذهب في السقف روايتين فلا يعتبر العلم في الثوب ، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يعتبر ا هـ . وفي التتارخانية عن الغياثية : ولو باع دارا في سقوفها ذهب بذهب ، وفي رواية لا يجوز بدون الاعتبار ; لأن الذهب لا يكون تبعا ، [ ص: 263 ] بخلاف علم الثوب والإبريسم في الذهب فإنه لا يعتبر ; لأنه تبع محض ا هـ . وظاهر التعليل أن ذهب السقوف عين قائمة لا مجرد تمويه ، ويدل عليه ما قدمناه آنفا عن الكافي من أن المموه لا يعتبر لكونه لا يخلص . وفي الهندية عن المحيط والدار فيها صفائح ذهب أو فضة بيعها بجنسها كالسيف المحلى ا هـ . وحاصل هذا كله اعتبار المنسوج قولا واحدا واختلاف الرواية في ذهب السقف والعلم وأن المعتمد عدم اعتباره في المنسوج ، وقد علم بهذا أن الذهب إن كان عينا قائمة في البيع كمسامير الذهب ونحوها في السقف مثلا يعتبر كطوق الأمة وحلية السيف ، ومثله المنسوج بالذهب فإنه قائم بعينه غير تابع ، بل هو مقصود بالبيع كالحلية والطوق ، وبه صار الثوب ثوبا ولذا يسمى ثوب ذهب ، بخلاف المموه ; لأنه مجرد لون لا عين قائمة ، وبخلاف العلم في الثوب فإنه تبع محض فإن الثوب لا يسمى به ثوب ذهب . ولا يرد ما قدمه الشارح من أن الحلية تبع للسيف أيضا ، فإن تبعيتها له حيث دخولها في مسماه عرفا ، سواء كانت فيه أو في قرابه لكنها أصل من حيث قيامها بذاتها وقصدها بالشراء كطوق الجارية ، ولا كذلك علم الثوب ; لأن الشرع أهدر اعتباره حتى حل استعماله ، لكن ينبغي أنه لو زاد لو على أربعة أصابع أن يعتبر هنا أيضا ، هذا ما ظهر لي في تحرير هذا المحل فتأمل . ( قوله : شرط التقابض فقط ) أي ولا يشترط تحقق زيادة الثمن كما قدمناه .




الخدمات العلمية