الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن ) ذكرا سبب الملك بأن ( برهنا على شراء شيء من ذي يد ، فلكل نصفه بنصف الثمن ) إن شاء ( أو تركه ) إنما خير لتفريق الصفقة عليه ( وإن ترك أحدهما بعدما قضي لهما لم يأخذ الآخر كله ) لانفساخه بالقضاء فلو قبله فله ، ( وهو ) أي ما ادعيا شراءه ( للسابق ) تاريخا ( إن أرخا ) فيرد البائع ما قبضه من الآخر إليه سراج ( و ) هو ( لذي يد إن لم يؤرخا أو أرخ أحدهما ) واستوى تاريخهما ( و ) هو لذي وقت إن وقت أحدهما [ ص: 573 ] ( فقط و ) الحال أنه ( لا يد لهما ) وإن لم يوقتا فقد مر أن لكل نصفه بنصف الثمن ( والشراء أحق من هبة وصدقة ) ورهن ولو مع قبض وهذا ( إن لم يؤرخا فلو أرخا واتحد المملك فالأسبق أحق ) لقوته ( ولو أرخت إحداهما فقط فالمؤرخة أولى ) ، ولو اختلف المملك استويا وهذا فيما لا يقسم اتفاقا واختلف التصحيح فيما يقسم كالدار والأصح أن الكل لمدعي الشراء لأن الاستحقاق من قبيل الشيوع المقارن لا الطارئ هبة الدرر ( والشراء والمهر سواء ) فينصف وترجع هي بنصف القيمة [ ص: 574 ] وهو بنصف الثمن أو يفسخ لما مر ( هذا إذا لم يؤرخا أو أرخا واستوى تاريخهما فإن سبق تاريخ أحدهما كان أحق ) قيد بالشراء لأن النكاح أحق من هبة أو رهن أو صدقة عمادية . والمراد من النكاح : المهر كما حرره في البحر مغلطا للجامع . نعم يستوي النكاح والشراء لو تنازعا في الأمة من رجل واحد ولا مرجح فتكون ملكا له منكوحة للآخر فتدبر ( ورهن مع قبض أحق من هبة بلا عوض معه ) استحسانا ولو به فهي أحق لأنها بيع انتهاء ، والبيع ، ولو بوجه أقوى من الرهن ولو العين معهما استويا ما لم يؤرخا وأحدهما أسبق

التالي السابق


( قوله من ذي يد ) أما لو ادعيا الشراء من غير ذي اليد فسيأتي متنا في قوله وإن برهن خارجان على ملك مؤرخ إلخ ( قوله بنصف الثمن ) أي الذي عينه فإن ادعى أحدهما أنه اشتراه بمائة ، والآخر بمائتين أخذ الأول نصفه بخمسين ، والآخر بمائة ( قوله : ما قبضه ) أي الثمن ( قوله : وهو لذي يد ) أي المدعى بالفتح قال في البحر : ولي إشكال في عبارة الكتاب هو أن أصل المسألة مفروض في خارجين تنازعا فيما في يد ثالث ، فإذا كان مع أحدهما قبض كان ذا يد تنازع مع خارج فلم تكن المسألة . ثم رأيت في المعراج ما يزيله من جواز أنه أثبت بالبينة قبضه فيما مضى من الزمان وهو الآن في يد البائع ا هـ إلا أنه يشكل ما ذكره بعده عن الذخيرة بأن ثبوت اليد لأحدهما بالمعاينة ا هـ والحق أنها مسألة أخرى وكان ينبغي إفرادها .

وحاصلها أن خارجا وذا يد ادعى كل الشراء من الثلث وبرهنا قدم ذو اليد في الوجوه الثلاثة والخارج في وجه واحد ا هـ وقد أشار المصنف إلى ذلك حيث ذكر قوله : ولذي وقت ولكن كان عليه أن يقدمه على قوله ولذي يد لأنه من تتمة المسألة الأولى ، ويكون قوله : ( ولذي ) استئناف مسألة أخرى .

[ فرع ]

سئل في شاب أمرد كره خدمة من هو في خدمته لمعنى هو أعلم بشأنه وحقيقته فخرج من عنده فاتهمه أنه عمد إلى بيته وكسره في حال غيبته وأخذ منه كذا لمبلغ سماه وقامت أمارة عليه بأن غرضه منه استبقاؤه واستقراره في يده على ما يتواخاه هل يسمع القاضي ، والحالة هذه عليه دعواه ويقبل شهادة من هو متقيد بخدمته وأكله وشربه من طعامه ومرقته والحال أنه معروف بحب الغلمان الجواب ولكم فسيح الجنان ؟ الجواب : قد سبق لشيخ الإسلام أبي السعود العمادي رحمه الله تعالى في مثل ذلك فتوى بأنه يحرم على القاضي سماع مثل هذه الدعوى معللا بأن مثل هذه الحيلة معهود فيما بين الفجرة ، واختلافاتهم فيما بين الناس مشتهرة ومن لفظه رحمه الله تعالى [ ص: 573 ] فيها : لا بد للحكام أن لا يصغوا إلى مثل هذه الدعاوى بل يعزروا المدعي ويحجزوه عن التعرض لمثل ذلك الغمر المنخدع ، وبمثله أفتى صاحب تنوير الأبصار لانتشار ذلك في غالب القرى والأمصار . ويؤيد ذلك فروع ذكرت في باب الدعوى تتعلق باختلاف حال المدعي وحال المدعى عليه ، ويزيد ذلك بعد شهادة من بعشائه يتعشى وبغدائه يتغدى فلا حول ولا قوة إلا بالله - العلي العظيم - إنا لله وإنا إليه راجعون ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن والله - تعالى أعلم فتاوى خيرية وعبارة المصنف في فتاواه بعد ذكر فتوى أبي السعود وأنا أقول : إن كان الرجل معروفا بالفسق وحب الغلمان والتحيل لا تسمع دعواه ، ولا يلتفت القاضي لها ، وإن كان معروفا بالصلاح والفلاح فله سماعها ، والله - تعالى - أعلم

( قوله فقط ) أقول : التاريخ في الملك المطلق لا عبرة به من طرف واحد ، بخلافه في الملك بسبب كما هو معروف قاله شيخ والدي مدني ( قوله والشراء أحق من هبة ) أي لو برهن خارجان على ذي يد أحدهما على الشراء منه ، والآخر على الهبة منه كان الشراء أولى ، لأنه أقوى لكونه معاوضة من الجانبين ولأنه يثبت الملك بنفسه ، والملك في الهبة يتوقف على القبض ، فلو أحدهما ذا يد ، والمسألة بحالها يقضى للخارج أو للأسبق تاريخا وإن أرخت إحداهما فلا ترجيح ، ولو كل منهما ذا يد فهو لهما أو للأسبق تاريخا كدعوى ملك مطلق وأطلق في الهبة وهي مقيدة بالتسليم ، وبأن لا تكون بعوض وإلا كانت بيعا وأشار إلى استواء الصدقة والهبة المقبوضتين للاستواء في التبرع ، ولا ترجيح للصدقة باللزوم ، لأنه يظهر في ثاني الحال ، وهو عدم التمكن من الرجوع في المستقبل ، والهبة قد تكون لازمة كهبة محرم ، والصدقة قد لا تلزم بأن كانت لغنى ا هـ ملخصا من البحر وفيه : ولم أر حكم الشراء الفاسد مع القبض والهبة مع القبض ، فإن الملك في كل متوقف على القبض وينبغي تقديم الشراء للمعاوضة ورده المقدسي بأن الأولى تقديم الهبة لكونها مشروعة ( قوله ولو أرخت إحداهما ) أي إحدى البينتين ( قوله ولو اختلف المملك استويا ) لأن كلا منهما خصم عن مملكه في إثبات ملكه ، وهما فيه سواء بخلاف ما إذا اتحدا لاحتياجهما إلى إثبات السبب وفيه يقدم الأقوى . وفي البحر لو ادعى الشراء من رجل ، وآخر الهبة والقبض من غيره ، والثالث الميراث من أبيه ، والرابع الصدقة من آخر قضي بينهم أرباعا ; لأنهم يتلقون الملك من مملكهم ، فيجعل كأنهم حضروا وأقاموا البينة على الملك المطلق ا هـ ( قوله : وهذا ) أي استواؤهما فيما لو اختلف الملك وكذا لو كانت العين في أيديهما ولم يسبق تاريخ أحدهما فإنهما يستويان كما قدمناه ( قوله فيما لا يقسم ) كالعبد والدابة ( قوله : لأن الاستحقاق إلخ ) جواب عما قاله في العمادية من أن الصحيح أنهما سواء لأن الشيوع الطارئ لا يفسد الهبة والصدقة ويفسد الرهن ا هـ وأقره في البحر وصدر الشريعة .

قال المصنف نقلا عن الدرر : عده صورة الاستحقاق من أمثلة الشيوع الطارئ غير صحيح والصحيح ما في الكافي والفصولين فإن الاستحقاق إذا ظهر بالبينة كان مستندا إلى ما قبل الهبة فيكون مقارنا لها لا طارئا عليها ا هـ أي وحيث كان من قبيل المقارن ، وهو يبطل الهبة إجماعا ينفرد مدع للشراء بالبرهان فيكون أولى ( قوله لا الطارئ ) لأن الشيوع الطارئ لا يفسد الهبة والصدقة بخلاف المقارن ( قوله وترجع هي ) أي على الزوج [ ص: 574 ] قوله : وهو بنصف الثمن ) كالرجوع ببعض ( قوله : لما مر ) أي من تفريق الصفقة ( قوله : فإن سبق تاريخا أحدهما ) لكن يشترط في الشهادة أنه اشترى من فلان وهو يملكها كما في دعوى الحامدية عن البحر معزيا لخزانةالأكمل كذا في الهامش ( قوله مغلطا للجامع ) أي جامع الفصولين في قوله : لو اجتمع نكاح وهبة يمكن أن يعمل بالبينتين لو استويا بأن تكون منكوحة ، هذا وهبة الآخر بأن يهبه أمته المنكوحة فينبغي أن لا تبطل بينة الهبة حذرا من تكذيب المؤمن ، وحملا له على الصلاح ، وكذا الصدقة مع النكاح ، وكذا الرهن مع النكاح ا هـ قال مولانا في بحره : وقد كتبت في حاشيته أنه وهم لأنه فهم أن المراد أنهما تنازعا في أمة أحدهما ادعى أنها ملكه بالهبة والآخر أنه تزوجها وليس مرادهم ذلك ، وإنما المراد من النكاح المهر كما عبر به في الكتاب ، وتمامه في المنح ( قوله نعم إلخ ) ذكر هذا في الجامع بحثا كما علمت ، وقال في البحر : ولم أره صريحا ( قوله معه ) الضمير راجع للقبض ( قوله : أقوى من الرهن ) هذا إذا كانت في يد ثالث س ( قوله : استويا ) بحث فيه العمادي بأن الشيوع الطارئ يفسد الرهن ، فينبغي أن يقضى بالكل لمدعي الشراء ، لأن مدعي الرهن أثبت رهنا فاسدا فلا تقبل بينته فصار كأن مدعي الشراء انفرد بإقامة البينة ، وتمامه في البحر .

قلت : وعلى ما مر من أن الاستحقاق من الشيوع المقارن ينبغي أن يقضى لمدعي الشراء بالأولى ، فالحكم بالاستواء على كل من القولين مشكل فليتأمل




الخدمات العلمية