الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            ص - لنا : القطع بطاعة العبد وعصيانه بأمره بالخياطة ونهيه عن مكان مخصوص للجهتين .

            وأيضا : لو لم تصح - لكان لاتحاد المتعلقين ; إذ لا مانع سواه اتفاقا ، ولا اتحاد ; لأن الأمر للصلاة والنهي للغصب .

            واختيار المكلف [ جمعهما ] لا يخرجهما عن حقيقتهما .

            [ ص: 380 ]

            التالي السابق


            [ ص: 380 ] ش - لما فرغ عن تقرير الأقوال ، شرع في إقامة الدليل على مدعاه ، وبينه بوجهين : أحدهما : القطع بجواز ذلك عقلا . كما إذا قال السيد لعبده : خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار . فإنه إذا خاط الثوب في الدار المنهي عنها ، نقطع بطاعته من جهة أنه خاط ، وبمعصيته من جهة أنه خاط في الدار . فيكون فعل الخياطة مأمورا به منهيا عنه من جهتين .

            فكذلك يجوز فيما نحن فيه من غير فرق ; فإن الصلاة مأمور بها من حيث هي صلاة ، منهي عنها من حيث كونها في الدار المغصوبة .

            الثاني أنه لو لم يصح كون الصلاة في الدار المغصوبة مأمورا بها منهيا عنها ، كان عدم الصحة لاتحاد متعلقي الأمر والنهي; إذ لا مانع سواه بالإجماع .

            والتالي باطل; إذ لا اتحاد بين متعلقيهما ; لأن متعلق الأمر هو الصلاة ، ومتعلق النهي كونها في الدار المغصوبة . وأحدهما غير الآخر . واختيار المكلف الجمع بين الصلاة وبين كونها في الدار المغصوبة لا يخرجهما عن حقيقتهما ، حتى يتحد الجهتان .

            وقد قيل على الوجه الأول : لا نسلم أن الصلاة مأمور بها ، فإنه بعد الجمع بينها وبين كونها في الدار المغصوبة ، صارت هيئة الصلاة منهيا عنها ، ولا يمكن حصولها بدونها ، فتكون الصلاة منهيا عنها ، فلم يأت بالمأمور بها .

            وأيضا : الخياطة ، إن أمر بها كيف كانت فلا يكون شغل الحيز ممنوعا عنه ، فلا يكون نظيرا لمتنازع فيه .

            [ ص: 381 ] وإن أمر بها في الجملة ومنع العبد عن شغل المكان المخصوص واشتغل بالخياطة فيها فهذه الخياطة ممنوع عنها ، ولكن يعد العبد ممتثلا; لأنها فعل حقيقي لا يبطل بالمنع ، بخلاف الصلاة .

            وعلى الثاني أن للمانع أن يقول : لا كلام في التغاير ، بل الكلام في أن الجمع أوجب للصلاة هيئة منهيا عنها منعت أن تكون الصلاة مأمورا بها . وما ذكرت لا يدفعه .

            وقيل على الثاني أيضا أن الصلاة في الدار المغصوبة أحد أجزائها : الكون الذي هو الحركة والسكون . وهذا الكون منهي عنه ; لأنه كون في الدار المغصوبة ، وهو منهي عنه . وإذا كان الجزء منهيا عنه ، يكون الكل منهيا عنه بالضرورة .

            ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الصلاة في الدار المغصوبة ليست مأمورا بها من حيث إنها صلاة مقيدة بكونها في الدار المغصوبة بل من حيث هي صلاة مطلقا . والهيئة الحاصلة لها بعد الجمع وإن كانت منهيا عنها ، لا يكون نهيها موجبا لنهي الصلاة المطلقة ; ضرورة كونها غير لازمة [ لها ] ; لأن الصلاة المطلقة قد تتحقق بدون تلك الهيئة . وإذا كانت الصلاة المطلقة غير منهي ، وقد أتى بها ; لأنه قد أتى بالصلاة المقيدة ، والمقيد يستلزم المطلق ، فيكون قد أتى بالمأمور بها .

            وعن الثاني أن السيد إذا أمر العبد بالخياطة في الجملة ونهاه عن شغله المكان المخصوص وقال : إن ارتكبت النهي ضربتك ، وإن امتثلت [ ص: 382 ] الأمر أعتقتك ، فخاط الثوب في الدار ، فيحسن من السيد أن يضربه ويعتقه ، ويقول : أطاع بالخياطة وعصى بدخول الدار . فالخياطة من حيث هي خياطة غير ممنوع عنها قطعا .

            وأما الفرق بأنه إنما يعد العبد ممتثلا لأنها فعل حقيقي لا يبطل بالمنع منها ، بخلاف الصلاة ، فضعيف ; لأن المنع ليس عن الصلاة ، حتى يلزم أن لا يعد ممتثلا ، بل المنع عن كونها في الدار المغصوبة .

            وورود المنع من هذه الجهة لا يخلو من أن يكون موجبا لعدم وقوع الفعل على وجه الامتثال أو لا يكون موجبا . وأيا ما كان ، لا فرق بين خياطة العبد والصلاة في الدار المغصوبة في كونهما واقعين على وجه الامتثال أو غير واقعين . وبما ذكرنا أولا يعرف جواب ما قيل على الوجه الثاني .




            الخدمات العلمية