الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  وقول الله بالرفع عطفا على المضاف في "كتاب البيوع" وقيل: ليس فيه واو العطف وإنما أصل النسخة هكذا: كتاب البيوع، قال الله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربا وقد ذم الله تعالى عز وجل أكلة الربا بقوله: الذين يأكلون الربا أول الآية، وكانوا اعترضوا على أحكام الله تعالى في شرعه فقالوا: إنما البيع مثل الربا فرد الله عليهم بقوله: وأحل الله البيع وحرم الربا وقال ابن كثير: قوله: وأحل الله البيع وحرم الربا يحتمل أن يكون من تمام كلامهم اعتراضا على الشرع، أي: مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى؛ ردا عليهم وقال [ ص: 160 ] الشافعي في قوله هذا أربعة أقوال:

                                                                                                                                                                                  أحدها: أنه عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع أو يقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل، قال في الأم: وهذا أظهر معاني الآية الكريمة، وقال صاحب الحاوي: والدليل لهذا القول أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز فدل على أن الآية تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها وبين صلى الله عليه وسلم المخصوص.

                                                                                                                                                                                  القول الثاني: إن الآية مجملة، لا يعتقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                  القول الثالث: يتناولهما جميعا فيكون عموما دخله التخصيص، ومجملا لحقه التفسير؛ لقيام الدلالة عليهما.

                                                                                                                                                                                  القول الرابع: أنها تناولت بيعا معهودا ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بيوعا وحرم بيوعا.

                                                                                                                                                                                  فقوله: وأحل الله البيع أي: البيع الذي بينه صلى الله عليه وسلم من قبل وعرفه المسلمون منه، فتناولت الآية بيعا معهودا، ولهذا دخلت الألف واللام؛ لأنهما للعهد، وأجمعت الأمة على أن المبيع بيعا صحيحا يصير بعد انقضاء الخيار ملكا للمشتري، قال الغزالي: أجمعت الأمة على أن البيع سبب لإفادة الملك.

                                                                                                                                                                                  ثم إن البخاري ذكر هذه القطعة من الآية الكريمة التي أولها الذين يأكلون الربا إلى قوله: هم فيها خالدون إشارة إلى أمور منها أن مشروعية البيع بهذه.

                                                                                                                                                                                  ومنها: أن البيع سبب للملك، ومنها: أن الربا الذي يعمل بصورة البيع حرام.

                                                                                                                                                                                  قوله: وقوله: إلا أن تكون إلى آخره عطف على قوله: "وقول الله عز وجل" وهذه قطعة من آية المداينة وهي أطول آية في القرآن، أولها قوله: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين وآخرها والله بكل شيء عليم

                                                                                                                                                                                  وقال الثعلبي: أي: لكن إذا كانت تجارة وهو استثناء منقطع أي: إلا التجارة فإنها ليست بباطل إذا كان البيع بالحاضر يدا بيد فلا بأس بعدم الكتابة؛ لانتفاء المحذور في تركها، وقرأ أهل الكوفة "تجارة" بالنصب وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالرفع، واختاره أبو حاتم وقال الزمخشري: قرئ (تجارة حاضرة) بالرفع على كان التامة، وقيل: هي الناقصة على أن الاسم "تجارة" والخبر تديرونها وبالنصب على "إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة".

                                                                                                                                                                                  قوله: حاضرة يعني يدا بيد تديرونها بينكم، وليس فيها إجمال، أباح الله ترك الكتابة فيها; لأن ما يخاف من النساء والتأجيل يؤمن فيه، وأشار بهذه القطعة من الآية أيضا إلى مشروعية البيع بهذه، والله أعلم.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية