الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2060 117 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام وقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرت عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله [ ص: 288 ] - صلى الله عليه وسلم - في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله: "ما بال رجال يشترطون" إلى آخره، وقد مضى هذا الحديث مختصرا في باب البيع والشراء مع النساء، ومضى مطولا في كتاب الصلاة في باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، رواه عن عمرة، عن عائشة، وقد مر البحث فيه هناك مستقصى، ولكن نذكر بعض شيء.

                                                                                                                                                                                  قوله: "أواق" جمع أوقية، وأصلها أواقي بتشديد الياء فحذفت إحدى الياءين تخفيفا والثانية على طريقة قاض، وفي مقدار الأوقية خلاف.

                                                                                                                                                                                  قوله: "أن أعدها لهم" أي: أعد تسع أواق لأهلك وأعتقك ويكون ولاؤك لي بأن يفسخ الكتابة لعجز المكاتب عن أداء النجوم.

                                                                                                                                                                                  قوله: "من عندهم" ويروى: من عندها، أي: من عند أهلها.

                                                                                                                                                                                  قوله: "جالس" أي: عند عائشة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فقالت " أي: بريرة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "عرضت ذلك" أي: ما قالته لها عائشة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فأبوا" أي: امتنعوا.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم " أي: ما قالته بريرة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فأخبرت عائشة" قيل: ما الفائدة في إخبار عائشة حيث سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ وأجيب بأنه سمع شيئا مجملا فأخبرته عائشة به مفصلا.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فقال: خذيها" أي: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: خذي بريرة أي: اشتريها.

                                                                                                                                                                                  قوله: "أما بعد" أي: بعد حمد الله والثناء عليه.

                                                                                                                                                                                  قوله: "ما بال رجال" هذا جواب أما، والأصل فيه أن يكون بالفاء، وقد تحذف.

                                                                                                                                                                                  قوله: "ما كان" كلمة ما موصولة متضمنة معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في جوابه، وهو قوله: فهو باطل.

                                                                                                                                                                                  قوله: "وإن كان مائة شرط" مبالغة، وقوله: "شرط" مصدر؛ ليكون معناه "مائة مرة" حتى يوافق الرواية المصرحة بلفظ المرة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "وشرط الله أوثق" فيه سجع، وهو من محسنات الكلام إذا لم يكن فيه تكلف، وإنما نهي عن سجع الكهان؛ لما فيه من التكلف.

                                                                                                                                                                                  وقال النووي رحمه الله: هذا حديث عظيم كثير الأحكام والقواعد، وفيه مواضع تشعبت فيها المذاهب.

                                                                                                                                                                                  أحدها: أنها كانت مكاتبة وباعها الموالي واشترتها عائشة، وأقر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعها، فاحتجت به طائفة من العلماء أنه يجوز بيع المكاتب، وممن جوزه عطاء والنخعي وأحمد، وقال ابن مسعود وربيعة وأبو حنيفة والشافعي وبعض المالكية ومالك في رواية عنه: لا يجوز بيعه، وقال بعض العلماء: يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام، وأجاب من أبطل بيعه عن حديث بريرة أنها عجزت نفسها وفسخوا الكتابة.

                                                                                                                                                                                  الموضع الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اشتريها" إلى آخره مشكل من حيث الشراء وشرط الولاء لهم وإفساد البيع بهذا الشرط ومخادعة البائعين وشرط ما لا يصح لهم ولا يحصل لهم وكيفية الإذن لعائشة، ولهذا الإشكال أنكر بعض العلماء هذا الحديث بجملته، وهذا منقول عن يحيى بن أكثم ، والجمهور على صحته، واختلفوا في تأويله فقيل: اشترطي لهم الولاء أي: عليهم كما في قوله تعالى: ولهم اللعنة أي: وعليهم، نقل هذا عن الشافعي والمزني، وقيل: معنى اشترطي أظهري لهم حكم الولاء، وقيل: المراد الزجر والتوبيخ لهم؛ لأنهم لما ألحوا في اشتراطه ومخالفة الأمر قال لعائشة هذا بمعنى: لا تبالي، سواء شرطته أم لا فإنه شرط باطل مردود، وقيل: هذا الشرط خاص في قصة عائشة وهي قضية عين لا عموم لها.

                                                                                                                                                                                  الثالث: أن الولاء لمن أعتق، وقد أجمع المسلمون على ثبوت الولاء لمن أعتق عبده أو أمته عن نفسه وأن يرث به، وأما العتيق فلا يرث سيده عند الجماهير، وقال جماعة من التابعين: يرثه كعكسه.

                                                                                                                                                                                  الرابع: أنه - صلى الله عليه وسلم - خير بريرة في فسخ نكاحها، وأجمعت الأمة على أنه إذا أعتقت كلها تحت زوجها، وهو عبد، كان لها خيار في فسخ النكاح، فإن كان حرا فلا خيار لها عند الشافعي ومالك، وقال أبو حنيفة: لها الخيار.

                                                                                                                                                                                  الخامس: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل شرط" إلى آخره صريح في إبطال كل شرط ليس له أصل في كتاب الله تعالى، وقام الإجماع على أن من شرط في البيع شرطا لا يحل أنه لا يجوز عملا بهذا الحديث، واختلفوا في غيرها من الشروط على مذاهب مختلفة.

                                                                                                                                                                                  فذهبت طائفة إلى أن البيع جائز والشرط باطل، على نص حديث بريرة، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وابن جرير وأبو ثور.

                                                                                                                                                                                  وذهبت طائفة أخرى إلى جوازهما، واحتجوا بحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - في بيعه جمله واستثنائه حمله إلى المدينة، وروي [ ص: 289 ] ذلك عن حماد وابن شبرمة وبعض التابعين.

                                                                                                                                                                                  وذهبت طائفة ثالثة إلى بطلانهما، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط، وهو قول عمر وولده وابن مسعود والكوفيين والشافعي، وقد يجوز عند مالك البيع والشرط، مثل أن يشترط البائع ما لم يدخل في صفقة البيع، مثل أن يشتري زرعا ويشترط على البائع حصده، أو دارا ويشترط سكناها مدة يسيرة، أو يشترط ركوب الدابة يوما أو يومين، وأبو حنيفة والشافعي لا يجيزان هذا البيع كله، ومما أجازه مالك فيه البيع والشرط شراء العبد بشرط عتقه اتباعا للسنة في بريرة، وبه قال الليث والشافعي في رواية الربيع، وأجاز ابن أبي ليلى هذا البيع وأبطل الشرط، وبه قال أبو ثور، وأبطل أبو حنيفة البيع والشرط، وأخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط، ومما أجازه مالك فيه البيع وأبطل الشرط كشراء العبد على أن يكون الولاء للبائع، وهذا البيع أجمعت الأمة على جوازه وإبطال الشرط فيه لمخالفته السنة، وكذلك من باع سلعة وشرط أن لا ينقد المشتري الثمن إلى ثلاثة أيام ونحوها فالبيع جائز والشرط باطل عند مالك، وأجاز ابن الماجشون البيع والشرط، وممن أجاز هذا البيع الثوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق، ولم يفرقوا بين ثلاثة أيام وأكثر منها، وأجاز أبو حنيفة البيع والشرط إلى ثلاثة أيام، وإن قال إلى أربعة أيام بطل البيع; لأن اشتراط الخيار بأكثر من ثلاثة أيام لا يجوز عنده، وبه قال أبو ثور.

                                                                                                                                                                                  ومما يبطل فيه عند مالك البيع والشرط مثل أن يبيعه جارية على أن لا يبيعها ولا يهبها، على أن يتخذها أم ولد، فالبيع عنده فاسد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وأجازت طائفة هذا البيع وأبطلت الشرط، وهذا قول الشعبي والنخعي والحسن وابن أبي ليلى وأبي ثور، وقال حماد الكوفي: البيع جائز والشرط لازم، ومما يبطل فيه البيع والشرط عند مالك والشافعي والكوفيين نحو بيع الأمة والناقة واستثناء ما في بطنها، وهو عندهم من بيوع الغرر، وقد أجاز هذا البيع والشرط النخعي والحسن وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واحتجوا بأن ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما في بطنها.

                                                                                                                                                                                  ومما حكي عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة فقلت: ما تقول في رجل باع بيعا وشرط شرطا فقال: البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فقال: البيع جائز والشرط جائز، فقلت: سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا على مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نهى عن بيع وشرط" البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أشتري بريرة، فأعتقها" البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله "قال: بعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ناقة فاشترط لي حملانها إلى المدينة" البيع جائز والشرط جائز.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية