الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو ترك ثلاثة بنين اثنان لأم فهلك أحد الاثنين لأم وترك مالا وموالي فورث أخوه لأبيه وأمه ماله وولاء مواليه ثم هلك الذي ورث المال وولاء المولى وترك ابنه وأخاه لأبيه فقال ابنه قد أحرزت ما كان أبي أحرزه وقال أخوه إنما أحرزت المال وأما ولاء الموالي فلا ( قال الشافعي ) الأخ أولى بولاء الموالي وقضى بذلك عثمان بن عفان رحمة الله عليه ثم الأقرب فالأقرب من العصبة أولى بميراث الموالي والإخوة للأب والأم أولى من الإخوة للأب وإن كان جد وأخ لأب وأم أو لأب فقد اختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال الأخ أولى وكذلك بنو الأخ وإن سفلوا ومنهم من قال هما سواء " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذه المسألة في ثبوت الولاء في الكبر ، وقد صورها الشافعي فيما قضى به عثمان بن عفان ، وإن كانت في غيره أقرب .

                                                                                                                                            وصورة ذلك في رجل أعتق عبيدا استحق ولاءهم ، ثم مات المعتق عن ماله ، وولاء مواليه ، وخلف ثلاثة بنين اثنان منهم لأم ، والآخر من أم أخرى ، فورثوا ماله ، وولاء مواليه أثلاثا بالسوية ، ثم مات أحد اللذين من أم ، وخلف أخاه لأبيه وأمه ، وأخاه لأبيه ، ثم مات الأخ من الأب والأم ، وخلف ابنين وأخاه لأبيه ، فورث ماله ابناه دون أخيه ، وتنازعوا في ولاء الموالي ، فقال الأخ : أنا أحق بولائه منكما ، لأني ابن مولى ، وأنتما ابنا ابن مولى .

                                                                                                                                            وقال ابنا الابن : لك ثلث ولائه ، ولنا ثلثاه حق أبينا بميراثه عن أمه وأخيه ، فقد اختلف في استحقاق الولاء . هل يكون معتبرا بموت العبد المعتق فيستحقه الكبر من [ ص: 94 ] عصبات المولى المعتق أو يكون معتبرا بموت المولى المعتق ، فيكون مشتركا بين القريب والبعيد ، فمذهب عمر ، وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ، وأبي بن كعب ، وابن عمر ، وأسامة بن زيد ، وأبي مسعود البدري ، رضي الله عنهم .

                                                                                                                                            ومن التابعين : الحسن ، وابن سيرين ، وعطاء ، والزهري ، والشعبي .

                                                                                                                                            ومن الفقهاء : الشافعي وأبو حنيفة ، ومالك ، وداود ، أن الولاء يستحقه الكبر اعتبارا بموت العبد المعتق ، فيكون ولاء من مات منهم لابن المولى دون ابني ابنه . وحكي عن عبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين عنه ، وعن شريح من التابعين أن ولاء من مات منهم موروث يستحقه القريب والبعيد ، اعتبارا بموت المولى المعتق ، فيكون لابن المولى في هذه المسألة ثلث ولائه ، ولابني ابنه ثلثاه ، وما عليه الجمهور من توريث الكبر أصح لما قدمناه في أول الباب من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا يتصدق به . يعني لا يورث ميراث المال . ولرواية يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لمولى أخ في الدين ونعمة يرثه أولى الناس بالمعتق . ولأن الكبر أقرب ، فكان بالميراث أحق كالنسب ، ولأنه لما كان الميراث بالنسب معتبرا بموت الموروث كان كذلك في الميراث بالولاء .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية