الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
7507 - لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ، ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل (حم ت والضياء ) عن زيد بن خالد الجهني. (صح)

التالي السابق


(لولا أن أشق) أي لولا مخافة وجود المشقة (على أمتي) وفي رواية لأبي تمام : على المؤمنين (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) قال القاضي: "لولا" تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره ، والحق أنها مركبة من "لو" الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، و "لا" النافية ، و "لو" تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فتدل هنا على انتفاء الأمر لانتفاء نفي المشقة ، وانتفاء نفي الشيء ثبوت ، فيكون الأمر نفيا لثبوت المشقة ، [ ص: 339 ] وفيه أن الأمر للوجوب لا للندب ، لأنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية ، ولو كان للندب لما جاز ذلك ، انتهى. قال الطيبي : فإذا كانت "لولا" تستدعي امتناع الشيء لوجود غيره ، والمشقة نفسها غير ثابتة ، فلا بد من مقدر ، أي: لولا خوف المشقة أو توقعها لأمرتهم. قال الجوهري : والمشقة: ما يشق على النفس احتماله ، أي فكأن النفس انشقت لما نالها من صعوبة ذلك الشيء ، وأراد بقوله "لأمرتهم" القول المخصوص دون الفعل والشأن ، قال ابن محمود : والظاهر أنه حقيقة فيه ، لسبقه إلى الفهم من كونه بمعنى الفعل ، وفيه أن المندوب ليس مأمورا به ، لثبوت الندب وانتفاء الأمر ، لكن يطرقه ما مر من اتحاد زمنهما ، وفيه أن أوامر المصطفى صلى الله عليه وسلم واجبة ، وجواز تعبده بالاجتهاد فيما لا نص فيه ، لجعله المشقة سببا لعدم الأمر ، وشمل لفظ "الأمة" جميع أصنافها ، وأخرج غيرهم كالكفار ، وكونهم مخاطبون بالفروع لا يقدح ، لأن المندوبات قد تستلزم أن لا تدخل تحت الخطاب ، وقرينة خشيته على المشقة تؤيده ، فــ "أل" فيه لتعريف الحقيقة ، فتحصل السنة بكل ما يسمى سواكا ، أو للعهد ، والمعهود عندهم كل خشن مزيل ، فينصرف الندب إليه بتلك الصفات ، وفيه الاكتفاء بما يسمى سواكا ، فتحصل السنة عرضا أو طولا ، لكنه عرضا أولى ، وسواء بدأ بيمنى فمه أو يساره أو مقدمه ، وباليمين أولى ، فإنه يسن حتى لمن بالمسجد ، خلافا لبعض المالكية ، وأنه لا يكره بحال ما خرج عن ذلك ، إلا الصائم بعد الزوال ، بدلائل أخر ، وأن المشقة تجلب التيسير ، وإذا ضاق الأمر اتسع. شفقته على أمته ، وعبر بــ "كل" العمومية ليشمل كل ما يسمى صلاة ولو نفلا وجنازة ، واللفظ إذا تردد بين الحقيقة اللغوية والشرعية يجب حمله على الشرعية ، فخرج مجرد الدعاء إذ لا يسمى صلاة شرعا ، ثم إنه لا يلزم من نفي وجوب السواك لكل صلاة نفي وجوبه ، إذ المشقة التي نفي الوجوب لأجلها غير حاصلة حصولها عند كل صلاة ، لكن لا قائل به (ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل) ليقل حظ النوم وتطول مدة انتظار الصلاة ، والإنسان في صلاة ما انتظرها كما في عدة أخبار ، فمن وجد به قوة على تأخيرها ولم يشق على أحد من المقتدين فتأخيرها إلى الثلث أفضل على ما نطق به هذا الحديث ، وهو قول الشافعي الجديد ، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحب والتابعين ، واختاره النووي من جهة الدليل ، وفي القديم والإملاء أن تعجيلها أفضل ، وعليه الفتوى عند الشافعية ، قال في شرح التقريب: وإنما اتفقوا على ندب تأكد السواك ، ولم يتفقوا على ندب تأخير العشاء ، بل جعله الأكثر خلاف الاستحباب ، مع أن كلا منهما علل فيه ترك الأمر بالمشقة ، لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم واظب على السواك دون تأخيرها

(حم ت والضياء ) المقدسي في المختارة (عن زيد بن خالد الجهني) ورواه أحمد وأبو يعلى والبزار وزادوا: فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول ، هبط الله إلى سماء الدنيا ، فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر فيقول: ألا سائل فيعطى ؟ ألا داع فيجاب ؟ ألا مستشفع فيشفع ؟ ألا سقيم يستشفي فيشفى ؟ ألا مستغفر فيغفر له ؟ قال الهيثمي : رجالهم ثقات.



الخدمات العلمية