الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 380 ] ( قال : ومن اشترى عبدا فادعى إباقا لم يحلف البائع حتى يقيم المشتري البينة أنه أبق عنده ) والمراد التحليف على أنه لم يأبق عنده ; لأن القول وإن كان قوله ولكن إنكاره إنما يعتبر بعد قيام العيب به في يد المشتري [ ص: 381 ] ومعرفته بالحجة ( فإذا أقامها حلف بالله لقد باعه وسلمه إليه وما أبق عنده قط ) كذا قال في الكتاب ، وإن شاء حلفه بالله ما له حق الرد عليك من الوجه الذي يدعي أو بالله ما أبق عندك قط [ ص: 382 ] أما لا يحلفه بالله لقد باعه وما به هذا العيب ولا بالله لقد باعه وسلمه وما به هذا العيب ; لأن فيه ترك النظر للمشتري ; لأن العيب قد يحدث بعد البيع قبل التسليم وهو موجب للرد ، والأول ذهول عنه والثاني يوهم تعلقه بالشرطين فيتأوله في اليمين عند قيامه وقت التسليم دون البيع ، ولو لم يجد المشتري بينة على قيام العيب عنده وأراد تحليف البائع ما يعلم أنه أبق عنده يحلف على قولهما . واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة رحمه الله لهما : إن الدعوى معتبرة حتى يترتب عليها البينة فكذا يترتب التحليف [ ص: 383 ] وله على ما قاله البعض أن الحلف يترتب على دعوى صحيحة ، وليست تصح إلا من خصم ولا يصير خصما فيه إلا بعد قيام العيب . وإذا نكل عن اليمين عندهما يحلف ثانيا للرد على الوجه الذي قدمناه . .

التالي السابق


( قوله ومن اشترى عبدا فادعى ) المشتري ( إباقا ) عنده وعند البائع فأراد تحليف البائع على عدم الإباق عنده ( لا يحلف حتى يقيم المشتري البينة أنه أبق عنده ) أي عند المشتري ; لأنه حينئذ يثبت العيب فتصح الخصومة فيه ، وإنما لزم ذلك ( لأن القول وإن كان قوله ) أي قول البائع لكن لا يعتبر إنكاره ولا يتوجه اليمين عليه ( إلا بعد ) [ ص: 381 ] ثبوت قيام المدعى مسببا للرد ( ومعرفته ) أي معرفة قيام العيب ( بالحجة ) عند إنكاره ، وهذا في دعوى نحو الإباق مما يتوقف الرد فيه على وجود العيب عندهما .

أما في عيب لا يتوقف الرد فيه على عوده عند المشتري كولادة الجارية وكذا الجنون على خلاف المختار فلا ، وعرف أن معنى المسألة أن يدعي إباقا فينكر قيامه في الحال فيحتاج إلى إثباته أما لو اعترف البائع فإنه يسأل عن وجوده عنده ، فإن اعترف رده عليه بالتماس المشتري ، وإن أنكر طولب المشتري بالبينة ، على أن الإباق وجد عند البائع ، فإن أقامها رده وإلا حلف بالله عز وجل لقد باعه وسلمه وما أبق عنده قط .

قال المصنف ( كذا قاله في الكتاب ) أي الجامع ، فإن عبارته هكذا : فإذا أقام على ذلك البينة استحلف البائع بالله لقد باعه وقبضه وما أبق قط ، قالوا ( وإن شاء حلفه بالله ما له حق الرد عليك من الوجه الذي يدعي به أو بالله ما أبق ) عندك قط ، كل من هذه العبارات حسنة ، بقيت عبارتان محتملتان ، وهما أن يحلف بالله لقد باعه وما به هذا العيب ، أو لقد باعه وسلمه وما به هذا العيب ، قالوا : لا يحلف كذلك ; لأن فيه ترك النظر للمشتري ; لأن العيب قد يحدث بعد البيع قبل التسليم ، وهو موجب للرد ، فإذا فرض حدوث العيب كذلك فحلف لقد بعته وما به هذا العيب كان بارا في يمينه ، وأما بعته وسلمته وما به هذا العيب فكذلك ; لأن هذه العبارة صادقة هنا إذا كان حدوث العيب بعد البيع قبل التسليم ، فقد يكون حدوث العيب كذلك فيتأوله البائع في يمينه : أي يقصد تعلق عدم العيب بالشرطين جميعا وهما البيع والتسليم على ظن أن صدقه لغة على تقدير قصده إليه يوجب بره شرعا ، وليس كذلك فإن تأوله كذلك لا يخلصه عند الله تعالى من ذلك اليمين بل هي يمين غموس ، والأخصر مع [ ص: 382 ] الوفاء بالمقصود أن يحلف بالله ما أبق عندي قط .

( ولو لم يجد المشتري بينة على وجود العيب عنده وأراد تحليف البائع ما يعلم أنه أبق عند المشتري يحلف على قولهما ، واختلف المشايخ في قول أبي حنيفة ) هل يحلف أو يتحقق العجز عن الخصومة ؟ فعن القاضي أبي الهيثم أن الخلاف مذكور في النوادر عنده لا يحلف ، وعندهما نعم ، وفي شرح الجامع الكبير للشيخ أبي المعين النسفي قال بعض مشايخنا منهم الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حامد : لا خلاف في هذه المسألة ، وتخصيص قولهما بالذكر لا يدل على أن قول أبي حنيفة خلاف قولهما ، وإنما يحلف على العلم ; لأنه حلف على فعل الغير ، بخلاف حلفه على أنه ما كان عنده ، فقيل ; لأنه وإن كان على فعل الغير لكن الحلف على فعل [ ص: 383 ] الغير إنما يكون على العلم إذا لم يكن الحالف مدعيا العلم به ، أما إذا كان مدعيا فلا ; ألا ترى أن المودع إذا ادعى قبض المودع لها يكون القول له ويحلف على البتات مع أنه فعل الغير .

وقيل ليس حاصله فعل الغير بل فعل نفسه وهو تسليمه سليما ، وهو قول الإمام السرخسي ، والأول أوجه فإن معنى تسليمه سليما ليس المراد منه السلامة في حال التسليم بل بمعنى سلامته والحال أنه لم يفعل السرقة عندي فيرجع إلى الحلف على فعل الغير .

وأورد على الأول مسألتان : إحداهما ما لو باع رجلان عبدا من آخر صفقة واحدة ثم مات أحدهما فورثه البائع الآخر ثم ادعى المشتري عيبا فإنه يحلف في نصيبه بالجزم ، وفي نصيب مورثه بالعلم عند محمد مع أنه يدعي العلم بانتفاء العيب ، الثانية إذا باع المتفاوضان عبدا وغاب أحدهما فادعى المشتري عيبا يحلف الحاضر على الجزم في نصيب نفسه وعلى العلم في نصيب الغائب مع ادعائه علما بذلك كما قلنا انتهى .

والوجه عندي أن يشكل ما نحن فيه على هاتين المسألتين لا عكسه ; لأن تحليفه في نصفه على العلم ، وفي نصفه الآخر على البتات وهو واحد : أعني العيب في ذات واحدة هو المشكل ، فالوجه ما ذكرنا ، والمسألتان مشكلتان ; لأنه إن علم بالعيب كان علمه بالنسبة إلى النصفين أو جهله كان أيضا كذلك إلا أن يكون معنى المسألة أن العبد كان عند كل من الشريكين مدة فيحلف هذا الوارث على البتات في مدته ما أبق عندي ، وعلى العلم في مدة شريكه ما أعلم أنه أبق عند شريكي ، فليكن محملهما ذلك .

وعلى هذا فلو لم تكن إقامة العبد إلا عند هذا الشريك لا يحلف إلا على البتات ويكتفي بذلك ، إلا أن هذا غير معلوم فيحلف كما ذكروا ، ولو لم تكن إقامته إلا عند الذي مات لا يحلف إلا على البتات ; لأن العقد اقتضى وصف السلامة ، واعلم أن مما تطارحناه أنه لو لم يأبق عند البائع وأبق عند المشتري وكان أبق عند آخر قبل هذا البائع ، ولا علم للبائع بذلك فادعى المشتري ذلك ، وأثبته يرده به ; لأنه معيب ، والعقد أوجب على هذا البائع السليم ، ولو لم يقدر على إثباته له أن يحلفه على العلم ، وكذا في كل عيب يرد بتكرره ، وجه قوله على تقدير الخلاف وهو ( ما قاله البعض أن الحلف يترتب على دعوى صحيحة ، وليست تصح إلا من خصم ولا يصير خصما فيه إلا بعد قيام العيب ) وإذا نكل البائع عن اليمين على وجود العيب عند المشتري ( يحلف ثانيا لزاد على الوجه الذي قدمناه ) ; لأنه بنكوله أنزل مقرا بوجود العيب عند المشتري فتوجهت الخصومة فيه فيحلف على أنه ما وجد عنده إلى آخر ما ذكرنا .

وقوله الحلف يترتب على دعوى صحيحة قيل يفيد أن البينة لا يلزم ترتبها عليها بل تكون بلا دعوى أصلا في الحدود ، وكذا على أنه وكيل أو وارث ولا دعوى أصلا ففي دعوى غير صحيحة أولى ، وفي الكافي : الأصح أنه لا يحلف ; لأن .

[ ص: 384 ] التحليف شرع لدفع الخصومة لا لإثباتها ، وهنا لو حلف البائع يحدث بينهما خصومة أخرى ، ولا يخفى ضعف هذا الكلام فإن توجه اليمين هو من الخصومة فبها تنتهي خصومة لا تندفع ، وكثيرا ما يترتب خصومات بعضها على بعض يكون منتهى بعضها مبدأ أخرى ، وأما قوله في الوجه الحلف إنما يترتب على دعوى صحيحة فنقول : إن كان المراد بالصحيحة ما يستحق بها الجواب فهذه كذلك ; لأنه إذا ادعى أنه وجد عنده عيب في المبيع وقد وجد عند البائع فلا شك أن القاضي يطلب جوابه عنه : ألا ترى إلى قولهم فإن اعترف أن الأمر كذلك رد عليه ، وإن أنكر وجوده عنده واعترف بوجوده عند المشتري فعلى المشتري البينة ، فإن عجز عنها حلف إلى آخره أو اعترف بوجوده عنده وأنكر وجوده عند المشتري ، وكل ذلك فرع إلزامه بالجواب بأحد هذه ، غير أنهم لا يوجبون عليه اليمين على عدمه عنده حتى تثبت المقدمة الأولى وهو وجوده ; لأن تحليفه على ذلك لا يفيد مقصود المشتري من الرد إن لم يثبت عوده عنده فلا يترتب عليه فائدته إلا بعده فوجب تقديمه ، وكذا لو كان العيب مما يكفي للرد وجوده عند البائع فقط كولادة الجارية وكونها ولد زنا حلف عليه ابتداء غير متوقف على غير ذلك .

وبهذا ظهر أن لا فرق بين دعوى العيب ودعوى الدين في أن كلا منهما يستدعي جوابا بما يليق بالحال وإن تكليف الفرق مع ضعفه على أن الخصومة هناك تتجه قبل إثبات الدين ، وهنا لا تتجه إلا بعد إثبات العيب غلط ، وإنما هذه خصومة الغرض منها رد المبيع وتلك خصومة الغرض منها رد الدين وكل منهما يستدعي الجواب ، فكما أن له أن يجيب هنا بإنكار العيب عندهما رأسا كذلك له أن يجيب بإنكار الدين رأسا ، بمعنى أنه لم يثبت قط ، ثم كما أن عليه أن يثبت دخول العيب في الوجود بالبينة أو النكول كذلك عليه أن يثبت دخول الدين في الوجود كذلك ، وإذا ثبت دخوله في الوجود طالبه برده إليه ، فكذلك في العيب يطالبه برد الثمن ورده ، فإذا تأملت لا فرق والله أعلم .

فالوجه ما قالا من إلزام اليمين على العلم ونفي الخلاف كما ذكر البعض ; لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به لزمه المال فعليه اليمين لرجاء النكول ، وكونه بمجرد اليمين لا يثبت المال إلا بعد يمين أخرى على وجوده عند البائع لا يضر ; لأنه إذا توقف ثبوت الحلف على أمرين لم يكن بد من إثبات كل منهما ، ثم قال المصنف رحمه الله : ( قال العبد الضعيف ) يعني نفسه .




الخدمات العلمية