الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وأما المرتدة فلا تقتل ) وقال الشافعي تقتل لما روينا ; ولأن ردة الرجل مبيحة للقتل من حيث إنه جناية متغلظة فتناط بها عقوبة متغلظة وردة المرأة تشاركها فيها فتشاركها في موجبها . [ ص: 72 ] ولنا { أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل النساء } ، ولأن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء ، وإنما عدل عنه دفعا لشر ناجز وهو الحراب ، ولا يتوجه ذلك من النساء ; لعدم صلاحية البنية ، بخلاف الرجال فصارت المرتدة كالأصلية قال ( ولكن تحبس حتى تسلم ) ; لأنها امتنعت عن إيفاء حق الله تعالى بعد الإقرار فتجبر على إيفائه بالحبس كما في حقوق العباد ( وفي الجامع الصغير : وتجبر المرأة على الإسلام حرة كانت أو أمة . [ ص: 73 ] والأمة يجبرها مولاها ) أما الجبر فلما ذكرنا ، ومن المولى ; لما فيه من الجمع بين الحقين ، ويروى تضرب في كل أيام مبالغة في الحمل على الإسلام .

التالي السابق


( قوله : وأما المرتدة فلا تقتل ولكن تحبس أبدا حتى تسلم أو تموت ) ولو قتلها قاتل لا شيء عليه لأحد ، حرة كانت أو أمة ذكره في المبسوط ، ولم يذكر الضرب في الجامع الكبير ولا في ظاهر الرواية ( ويروى ) عن أبي حنيفة أنها ( تضرب في كل أيام ) وقدرها بعضهم بثلاثة ، وعن الحسن تضرب كل يوم تسعة وثلاثين سوطا إلى أن تموت أو تسلم ولم يخصه بحرة ولا أمة ، وهذا قتل معنى ; لأن موالاة الضرب تفضي إليه . ولذا قلنا فيمن اجتمع عليه حدود : إنه لا يقام عليه الحد الثاني ما لم يبرأ من الحد السابق كي لا يصير قتلا وهو غير المستحق ، ثم الأمة تدفع إلى مولاها فيجعل حبسها ببيت السيد سواء طلب هو ذلك أم لا في الصحيح ، ويتولى هو جبرها ، قال المصنف ( جمعا بين الحقين ) يعني حق الله تعالى وحق السيد في الاستخدام فإنه لا منافاة ، بخلاف العبد المرتد لا فائدة في دفعه إليه ; لأنه يقتل ولا يبقى ليمكن استخدامه ، ولا تسترق الحرة المرتدة ما دامت في دار الإسلام . فإن لحقت بدار الحرب فحينئذ تسترق إذا سبيت . وعن أبي حنيفة في النوادر : تسترق في دار الإسلام أيضا . قيل ولو أفتى بهذه لا بأس به فيمن كانت ذات زوج حسما لقصدها السيئ بالردة من إثبات الفرقة ، وينبغي أن يشتريها الزوج من الإمام أو يهبها الإمام له إذا كان مصرفا ; لأنها صارت بالردة فيئا للمسلمين لا يختص بها الزوج فيملكها وينفسخ النكاح بالردة ، وحينئذ يتولى هو حبسها وضربها على الإسلام فيرتد ضرر قصدها عليها .

قيل : وفي البلاد التي استولى عليها التتر وأجروا أحكامهم فيها وأبقوا المسلمين كما وقع في خوارزم وغيرها إذا استولى عليها الزوج بعد الردة ملكها ; لأنها صارت دار حرب في الظاهر من غير حاجة إلى أن يشتريها من الإمام .

وقد أفتى الدبوسي والصفار وبعض أهل سمرقند بعدم وقوع الفرقة بالردة ردا عليها ، وغيرهم مشوا على الظاهر ولكن حكموا بجبرها على تجديد النكاح مع الزوج ; وتضرب خمسة وسبعين سوطا ، واختاره قاضي خان للفتوى ، وعند الأئمة الثلاثة تقتل المرتدة ، واقتصر المصنف على خلاف الشافعي . قال ( لما روينا ) من قوله صلى الله عليه وسلم { من بدل دينه فاقتلوه } وهو حديث في صحيح البخاري وغيره . قال ( ولأن ردة الرجل مبيحة للقتل من حيث إنها جناية متغلظة ) هي جناية الكفر ( وجناية المرأة تشاركها فيها فتشاركها في موجبها ) [ ص: 72 ] وهو القتل ولنا { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء } كما مر في الحديث الصحيح ، وهذا مطلق يعم الكافرة أصليا وعارضا ، وثبت تعليله صلى الله عليه وسلم بالعلة المنصوصة كما قدمناه في الحديث من عدم حرابها فكان مخصصا لعموم ما رواه بعد أن عمومه مخصص بمن بدل دينه من الكفر إلى الإسلام ، وما ذكر المصنف من المعنى بعد هذا زيادة بيان ، وهو أن الأصل في الأجزية بأن تتأخر إلى دار الجزاء وهي الدار الآخرة فإنها الموضوعة للأجزية على الأعمال الموضوعة هذه الدار لها ، فهذه دار أعمال وتلك دار جزائها ، وكل جزاء شرع في هذه الدار ما هو إلا لمصالح تعود إلينا في هذه الدار كالقصاص وحد القذف والشرب والزنا والسرقة شرعت لحفظ النفوس والأعراض والعقول والأنساب والأموال ، فكذا يجب في القتل بالردة أن يكون لدفع شر حرابه لا جزاء على فعل الكفر ; لأن جزاءه أعظم من ذلك عند الله تعالى ، فيختص بمن يتأتى منه الحراب وهو الرجل ، ولهذا { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء } ، وعلله بأنها لم تكن تقاتل على ما صح من الحديث فيما تقدم ; ولهذا قلنا : لو كانت المرتدة ذات رأي وتبع تقتل لا لردتها بل ; لأنها حينئذ تسعى في الأرض بالفساد ، وإنما حبست ( لأنها امتنعت عن أداء حق الله تعالى بعد أن أقرت به فتحبس كما في حقوق العباد ) .

وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لا تقتل [ ص: 73 ] النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام ، ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام ويجبرن عليه . وفي بلاغات محمد قال : بلغنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إذا ارتدت المرأة عن الإسلام حبست . وأما ما روى الدارقطني عن جابر { أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام فإن رجعت وإلا قتلت } فمضعف بمعمر بن بكار . وأخرجه أيضا من طريق آخر عن جابر ولم يسم المرأة ، وزاد : { فعرض عليها الإسلام فأبت أن تسلم فقتلت } وهو ضعيف بعبد الله بن أذينة . قال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به بحال . وقال الدارقطني في المؤتلف والمختلف : إنه متروك ، ورواه ابن عدي في الكامل وقال : عبد الله بن عطارد بن أذينة منكر الحديث . وروي حديث آخر عن عائشة { ارتدت امرأة يوم أحد فأمر عليه الصلاة والسلام أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت } وفي سنده محمد بن عبد الملك قالوا فيه : إنه يضع الحديث مع أنها معارضة بأحاديث أخر مثلها ، وأمثل منها ما أخرجه الدارقطني عن أبي رزين عن ابن عباس قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتل المرأة إذا ارتدت } وفيه عبد الله بن عبس الجزري ، قال الدارقطني : كذاب يضع الحديث .

وأخرج ابن عدي في الكامل عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت فلم يقتلها } وضعفه بحفص بن سليمان . قال ابن عدي : عامة ما يرويه غير محفوظ . وأخرج الطبراني في معجمه : حدثنا الحسن بن إسحاق التستري ، حدثنا هرمز بن معلى ، حدثنا محمد بن سلمة عن الفزاري عن مكحول عن أبي طلحة اليعمري عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ بن جبل { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه ، فإن تاب فاقبل منه ، وإن لم يتب فاضرب عنقه . وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها ، فإن تابت فاقبل منها ، وإن أبت فاستتبها } وتقدم رواية أبي حنيفة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فما أسند الدارقطني عن ابن معين أنه قال : كان الثوري يعيب على أبي حنيفة حديثا كان يرويه عن عاصم عن أبي رزين لم يروه أحد غير أبي حنيفة عن عاصم عن أبي رزين مدفوع بأنه أخرجه الدارقطني عن أبي مالك النخعي عن عاصم به فزال انفراد أبي حنيفة الذي ادعاه الثوري .

وروى عبد الرزاق عن عمر " أنه أمر في أم ولد تنصرت أن تباع في أرض ذات مؤنة عليها ولا تباع في أهل دينها فبيعت في دومة الجندل من غير أهل دينها " وأخرج الدارقطني عن علي رضي الله عنه : " المرتدة تستتاب ولا تقتل " وضعف بخلاس .




الخدمات العلمية