الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 473 ] قال ( ومن اشترى جارية بيعا فاسدا وتقابضا فباعها وربح فيها تصدق بالربح ويطيب للبائع ما ربح في الثمن ) والفرق أن الجارية مما يتعين فيتعلق العقد بها فيتمكن الخبث في الربح ، والدراهم والدنانير [ ص: 474 ] لا يتعينان على العقود فلم يتعلق العقد الثاني بعينها فلم يتمكن الخبث فلا يجب التصدق ، وهذا في الخبث الذي سببه فساد الملك ، أما الخبث لعدم الملك فعند أبي حنيفة ومحمد يشمل النوعين لتعلق العقد فيما يتعين حقيقة ، وفيما لا يتعين شبهة من حيث إنه يتعلق به سلامة المبيع أو تقدير الثمن ، وعند فساد الملك تنقلب الحقيقة شبهة والشبهة تنزل إلى شبهة الشبهة ، والشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها .

[ ص: 475 ] قال ( وكذلك إذا ادعى على آخر مالا فقضاه إياه ، ثم تصادقا أنه لم يكن عليه شيء وقد ربح المدعي في الدراهم يطيب له الربح ) ; لأن الخبث لفساد الملك هاهنا ; لأن الدين وجب بالتسمية ثم استحق بالتصادق ، وبدل المستحق مملوك فلا يعمل فيما لا يتعين . .

التالي السابق


( قوله ومن اشترى جارية بيعا فاسدا وتقابضا فباعها ) المشتري ( وربح فيها تصدق بالربح ويطيب لبائعه ما ربح في الثمن ) الذي قبضه من المشتري إذا عمل فربح ، والأصل في هذا أن المال نوعان : نوع لا يتعين في عقود المعاوضات كالدراهم والدنانير ، ونوع يتعين وهو ما سواهما .

والخبث نوعان : خبث في البدل لعدم [ ص: 474 ] الملك في المبدل ، وخبث لفساد الملك . فالخبث لعدم الملك يعمل في النوعين حتى أن الغاصب أو المودع إذا تصرفا في المغصوب الوديعة وهما عرض أو نقد وأديا ضمانهما وفضل ربح وجب التصدق به عند أبي حنيفة ومحمد ; لأنه بدل مال الغير فيما يتعين فيثبت فيه حقيقة الخبث ، وفيما لا يتعين إن لم يكن ما اشتراه به بدل مال الغير ; لأن العقد لا يتعلق به بل بمثله في الذمة ، لكنه إنما توسل إلى الربح بالمغصوب أو الوديعة فتمكن فيه شبهة الربح بمال الغير من حيث إنه يتعلق به سلامة المبيع أن نقد الدراهم المغصوبة أو تقدير الثمن إن أشار إلى الدراهم المغصوبة ونقد من غيرها فيتصدق به ; لأن الشبهة معتبرة كالحقيقة في أبواب الربا ، والخبث لفساد الملك دون الخبث لعدم الملك فيوجب شبهة الخبث فيما يوجب فيه عدم الملك حقيقة الخبث ، وهو ما يتعين كالجارية في مسألتنا ويتعدى إلى بدلها .

وشبهة الشبهة فيما يوجب فيه عدم الملك الشبهة وهو ما لا يتعين ، وشبهة الشبهة غير معتبرة ; لأن اعتبار الشبهة خلاف الأصل بالنص وهو نهيه عن الربا والريبة فلا يتعدى ، وإلا اعتبر ما دونها كشبهة شبهة الشبهة وهلم فينسد باب التجارة وهو مفتوح ، فلذا قال : يتصدق المشتري بالربح فيها ويطيب للبائع ما ربح في الثمن ، ولا شك أن هذا إنما هو على الرواية القائلة : إنه لا تتعين النقود في البيع الفاسد ، أما على الرواية القائلة تتعين فحكم الربح في النوعين كالغصب لا يطيب ، وقد ذكر المصنف أن رواية التعيين في البيع الفاسد هو الأصح ، فحينئذ الأصح وجوب التصدق على البائع أيضا بما ربح في الثمن ، غير أن هذه المسألة بهذا التفصيل في طيب الربح صريح الرواية في الجامع ، فإن فيه محمدا عن يعقوب عن أبي حنيفة في رجل اشترى من رجل جارية بيعا فاسدا بألف وتقابضا وربح كل واحد منهما فيما قبض قال : يتصدق الذي قبض الجارية بالربح ويطيب الربح للذي قبض الدراهم ، وحينئذ فالأصح أن الدراهم لا تتعين في البيع الفاسد لا كما قال .

وقول المصنف ( لا تتعين في العقود ) أي عقود البياعات ، بخلاف ما سواها من الشركة الوديعة والغصب ، وقول بعضهما احترز به عن الوديعة والغصب والشركة إنما يصح لو كان لفظ البياعات أو المعاوضات مذكورا للمصنف وليس كذلك ، وهذا التفصيل قول أبي حنيفة ومحمد ، [ ص: 475 ] وقال أبو يوسف : يطيب له الربح مطلقا ; لأن عنده شرط الطيب الضمان وقد وجد ، وعند زفر والشافعي لا يطيب في الكل ; لأن الدراهم والدنانير تتعين ، حتى لو اشترى بهذه الدراهم فهلكت بطل البيع عندهما كما في المبيع المعين وعندنا لا يبطل ، وليس له أن يحبسها ويعطي مثلها عندهما ( قوله وكذلك إلخ ) .

قال في الجامع الصغير : وكذلك لو ادعى على آخر مالا فقضاه ثم تصادقا أنه لم يكن له عليه شيء وقد ربح المدعي في الدراهم التي قبضها على أنها دينه ( يطيب له الربح ; لأن الخبث لفساد الملك هنا ; لأن الدين وجب بالتسمية ) أي بالإقرار عند دعواه المال ( ثم استحق بالتصادق ) فكان المقبوض بدل المستحق وهو الدين ( وبدل المستحق مملوك ) أي ملكا فاسدا سواء كان عينا أو دينا ، أما عينا فبدليل أن من اشترى عبدا بجارية أو ثوب ثم أعتق العبد واستحقت الجارية يصح عتق العبد ، فلو لم يكن بدل المستحق مملوكا لم يصح العتق ، إذ لا عتق في غير الملك والعبد بدل الجارية المستحقة .

وإذا ملكه فاسدا فيما لا يتعين لا يعمل فيه خبثا فطاب له الربح .

وفي الجامع الكبير لقاضي خان : بدل المستحق مملوك بدليل ما لو حلف لا يفارق حتى يستوفي حقه فباعه المديون عبدا لغيره بذلك الدين وقبضه ثم استحق العبد لا يحنث ; لأن المديون ملك ما في ذمته بهذا البيع فيكون مستوفيا حقه فلم يحنث ، وبيان فساد الملك في بدل المستحق أنه إذا استحق المبدل يجب رده ولا يبطل البيع فتتمكن فيه شبهة عدم الملك ; ولو حصل الربح في دراهم غير مملوكة تتمكن فيه شبهة الخبث ، فإذا حصل من دراهم فيها شبهة عدم الملك كان فيه شبهة شبهة الخبث فلا تعتبر .

واعلم أن ملكه باعتبار زعمه أنه قبض الدراهم بدلا عما يزعم أنه ملكه ، أما لو كان في أصل دعواه الدين متعمدا للكذب فدفع إليه لا يملكه أصلا ; لأنه متيقن أنه لا ملك له فيه ، والله أعلم .




الخدمات العلمية