مختصر خليل
ولغا : علي المسير ، والذهاب ، والركوب لمكة ، ومطلق المشي ، ومشي لمسجد ، وإن لاعتكاف ; [ ص: 132 ] إلا القريب جدا : فقولان تحتملهما ، ومشي للمدينة ، أو إيلياء : إن لم ينو صلاة بمسجديهما ، أم يسمهما ; فيركب . وهل إن كان ببعضها ، أو إلا لكونه بأفضل ؟ خلاف ، [ ص: 133 ] والمدينة أفضل ثم مكة .
منح الجليل
( ولغا ) بفتح الغين المعجمة أي بطل قول الشخص : لله علي أو ( علي المسير ) إلى مكة إن فعلت أو إن لم أفعل كذا ( والذهاب والركوب ) والإتيان والانطلاق ( لمكة ) إلا أن ينوي إتيانها حاجا أو معتمرا فيأتيها راكبا إلا أن ينوي ماشيا قاله في المدونة ، إن قلت من نذر المشي إليها لزمه والمسير والذهاب مساويان له فما الفرق ؟ . قلت : الفرق أن العرف إنما جرى بلفظ المشي وإنه الوارد في السنة ولم يرد غيره فيها .
( و ) لغا ( مطلق المشي ) أي المشي المطلق الذي لم يقيد بمكة ، ولا الكعبة بلفظ ، ولا نية كقوله لله علي المشي ( و ) لغا قوله علي ( مشي لمسجد ) غير المساجد الثلاثة إن كان لجلوس فيه أو قراءة بل ( وإن ) كان ( لاعتكاف ) أو صلاة فيه لخبر { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى } ، ولا يعارضه خبر { من نذر أن يطيع الله فليطعه } ; لأنه عام فيخص بهذا . قال الشارح لو قال إتيان أي لغا إتيان لكان أحسن ; لأن ظاهره جواز إتيانه راكبا وليس كذلك وأجيب بأنه ذكر عدم اللزوم فيما يتوهم فيه اللزوم وهو المشي ، فيعلم عدم لزوم غيره بالأولى . [ ص: 132 ] وبأنه عبر بالمشي لأجل قوله ( إلا ) المسجد ( القريب جدا ) من الناذر بأن كان على ثلاثة أميال وقيل ما لا يحتاج فيه لإعمال المطي وشد الرحل ( فقولان تحتملهما ) المدونة في نذر الصلاة والاعتكاف أحدهما لزوم إتيانه ماشيا كما في الشارح وتت . الثاني عدم لزوم الإتيان ويلزمه فعل ما نذر بموضعه كناذرهما بمسجد بعيد .
( و ) لغا ( مشي ) وأولى ذهاب ومسير ( للمدينة ) على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ( أو ) لمسجد ( إيلياء ) فلا يلزمه ذهابه لهما لا ماشيا ، ولا راكبا وهو ممدود بوزن كبرياء معناه بيت المقدس معرب ، وحكي قصره ( إن لم ينو صلاة ) فإن نواها لزمه إتيانهما ولو نفلا وإن اختصت المضاعفة بالفرض لنيته إقامته أياما ينتفل فيها فيتضمن الفرض أو صوما أو اعتكافا ( بمسجديهما ) أي المدينة وإيلياء ( أو يسميهما ) أي المسجدين لا البلدين ، فإن نوى صلاة فيهما أو سماهما لزمه إتيانهما ( فيركب ) إن شاء ، ولا يلزمه المشي ; لأنه لما سماهما فكأنه قال لله علي أن أصلي فيهما ، أو ظاهره ولو نفلا . إن قيل ما الفرق بين المشي لهذين والمشي لمكة ؟ . فالجواب أن المشي للمدينة مثلا لا قربة فيه والمشي لمكة فيه قربة لإحرامه من الميقات ، وأنه فيه مناسب لعبادة الحج لمشيه في المناسك والصلاة منافية للمشي .
( وهل ) لزوم إتيان أحد المساجد الثلاثة إن كان بغيرها بل ( وإن كان ) الملتزم ( ببعضها ) فاضلا أو مفضولا ( أو ) يلزمه في كل حال ( إلا لكونه بأفضل ) مما التزم المشي إليه فلا يلزمه إتيان المفضول فيه ( خلاف ) في التشهير . ابن بشير ظاهر المذهب لزوم إتيانه لأحد الثلاثة وإن كان موضعه أفضل مما التزم المشي إليه . ابن الحاجب لو كان [ ص: 133 ] في أحدها والتزم الآخر لزمه على الأصح والمشهور إلا أن يكون الثاني مفضولا . المازري لو نذر الصلاة مدني أو مكي بمسجد إيلياء صلى بموضعه والعكس لازم . وقياس قول مالك رضي الله عنه يلزم المكي ما نذره بمسجد صلى الله عليه وسلم لا العكس . وقال بعض شيوخنا : الأولى إتيانه للخروج من الخلاف . ابن عرفة ما عزاه لبعض شيوخه هو نص اللخمي وذكره ابن بشير .
( والمدينة ) المنورة بأنوار النبي صلى الله عليه وسلم ( أفضل ) من مكة المشرفة هذا هو المشهور وهو قول أهل المدينة ، ويدل له ما رواه الدارقطني والطبراني من حديث رافع بن خديج { المدينة خير من مكة } نقله في الجامع الصغير ، وقال ابن وهب وابن حبيب مكة أفضل . ابن عرفة ومسجده صلى الله عليه وسلم والمسجد الحرام أفضل من مسجد إيلياء ، وفي أفضلية مسجده صلى الله عليه وسلم على المسجد الحرام أو العكس المشهور . ونقل عياض عن ابن حبيب مع ابن وهب قال ووقف الباجي في ذلك ، ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضمه صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل من الكعبة والسماء والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت المعمور ويليه الكعبة فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا ، وباقي مسجد المدينة أفضل من باقي مسجد مكة ، وباقي المدينة أفضل من باقي مكة ، ولما زيد في مسجده صلى الله عليه وسلم حكم مسجده عند الجمهور وهم على تفضيل السماء على الأرض ، وقيل الأرض أفضل لخلق الأنبياء منها ودفنهم بها .
( ثم ) يلي المدينة في الفضل ( مكة ) المشرفة ثم يلي مكة في الفضل بيت المقدس فهو أفضل ولو من المساجد المنسوبة له صلى الله عليه وسلم كمسجد قباء ومسجد الفتح ومسجد العيد ومسجد ذي الحليفة .
( تتمة ) في الصحيحين مما يتعلق بالمدينة { من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة } . وفي مسلم من رواية أبي سعيد { لا يصبر أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة } ، وفيه بشرى للصابر بها بالموت على الإسلام وهي مزية عظيمة [ ص: 134 ] زائدة على شفاعته وشهادته العامتين ، فقد ثبت في حديث { من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة ، وخبر من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها أشفع له وأشهد له } . وسئل عج هل المجاورة بمكة أو المدينة أفضل أم تركها ، وهل الأفضل دخول مكة ماشيا أو راكبا فأجاب عن الأول بأن عدم المجاورة أفضل لقول الإمام مالك رضي الله عنه لقفل أي الرجوع أفضل من الجوار ، وكان الإمام عمر رضي الله عنه يأمر الناس بالقفول بعد الحج . وعن الثاني بأن ظاهر كلام أئمتنا استواء دخول مكة ماشيا أو راكبا في الفضل والله سبحانه وتعالى أعلم .


