الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 13 ] ولم و لم يفد في غير الله : [ ص: 14 ] كالاستثناء بإن شاء الله ، إن قصده : كإلا أن يشاء الله ، أو يريد ، أو يقضي : على الأظهر ، [ ص: 15 - 16 ] وأفاد بكإلا في الجميع ، إن اتصل ، إلا لعارض ، ونوى الاستثناء ، وقصد . [ ص: 17 ] ونطق به وإن سرا بحركة لسان ; إلا أن يعزل في يمينه أولا : كالزوجة في : " الحلال علي حرام " [ ص: 18 ] وهي المحاشاة

التالي السابق


( ولم يفد ) لغو اليمين ( في ) الحلف ب ( غير الله ) تعالى والنذر المبهم واليمين والكفارة من عتق وطلاق وحج وصوم وصلاة وصدقة ونحوها مما يوجب الحنث فيه غير الكفارة ، فإذا حلف بشيء من هذه على شيء يعتقده وظهر خلافه فإنه يلزمه ما حلف به . ابن رشد من حلف بطلاق لقد دفع ثمن سلعته لبائعها فبان أنه إنما دفعه لأخيه فقال : ما كنت ظننت أني دفعته إلا للبائع ، قال مالك رضي الله تعالى عنه يحنث ا هـ . بخلاف اليمين بالله فيفيد اللغو فيها لأنها اليمين الشرعية التي قال الله تعالى فيها { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ، وهي الحلف بالله . وأما الطلاق والعتق والمشي والصدقة فليست أيمانا شرعية وإنما هي التزامات ، ولذا لا تدخل عليها حروف القسم وكان الحلف بها ممنوعا ومثلها النذر المبهم أي الذي لم يعين مخرجه كحلفه به على شخص مقبل أنه زيد أو إن [ ص: 14 ] لم يكن زيدا فعلي نذر ثم تبين أنه عمرو فلا كفارة عليه .

وشبه في الإفادة في اليمين بالله وعدمها في غيرها فقال ( كالاستثناء بإن شاء الله ) فإن قال : والله أو علي نذر لا أفعل كذا أو لأفعلنه إن شاء الله وقصده إلى آخر شروطه ثم حنث فلا كفارة عليه ( إن قصده ) أي الاستثناء أي حل اليمين فإن سبقه لسانه إليه أو قصد التبرك فلا يفيد في اليمين بالله أيضا . وإن قال عليه الطلاق إن فعل أو لم يفعل كذا إن شاء الله وحنث لزمه الطلاق وإن قصده .

وشبه في الإفادة في الله وعدمها في غيره فقال ( كإلا أن يشاء الله أو يريد أو يقضي ) فيفيد في اليمين بالله وما ألحق بها ولا يفيد في غيرها ( على الأظهر ) عند ابن رشد من الخلاف في إلا أن يريد أو يقضي ولا يرجع لقوله إلا أن يشاء الله إذ لا خلاف فيه خلاف ما يوهمه لفظه من رجوعه للثلاثة . ابن غازي قوله كإلا أن يشاء الله أو يريد أو يقضي على الأظهر ، أي في الأخيرين ، أشار به لما في رسم أوصى من سماععيسى من كتاب النذور . ومن حلف لا فعل كذا إلا أن يقضي الله أو يريد غيره ، فليس استثناء . عيسى هو في اليمين بالله تعالى استثناء . ابن عرفة فحمله ابن حارث وابن رشد على الخلاف في اليمين بالله ، واختار قول عيسى . [ ص: 15 ] وظاهر النوادر حمل قول ابن القاسم على اليمين بالطلاق فلا يكون خلافا ، والأول أظهر لسماعه إياه في الأيمان بالطلاق . من قال لامرأته إن فعلت كذا إلا أن يقدر فأنت طالق إن فعله حنث . ابن رشد لأشهب لا شيء عليه وهو القياس ، والنظر إذ لا فرق بين الاستثناء بقضاء الله أو قدره أو مشيئته وابن القاسم يرى أنه ينفعه في المشيئة فقط . ولو قال : إن فعلت كذا إلا أن يشاء الله فأنت طالق نفعه استثناؤه عند الجميع . وقال ابن دحون لا ينفعه ذلك على قياس هذه الرواية ا هـ .

وهل الاستثناء رافع للكفارة فقط أو حل لليمين من أصلها قولا ابن القاسم وابن الماجشون [ ص: 16 ] مع القاضي وفقهاء الأمصار . وتظهر فائدة الخلاف فيمن حلف واستثنى ثم حلف أنه ما حلف وفيمن حلف أنه لا يحلف فحلف واستثنى فيحنث فيهما على الأول لا الثاني ، ولو حلف لا يكفر فحلف واستثنى فلا شيء عليه فيهما .

( وأفاد ) الاستثناء ( بكإلا ) وخلا وعدا وحاشا وليس ولا يكون وما في معناه من شرط وصفة كما لابن رشد وغاية وبدل بعض ، نحو والله لا أكلم زيدا إلا يوم كذا ، أو إن ضربني أو ابن عمرو أو إلى وقت كذا أو لا أكلم الرجل ابن عمرو ( في الجميع ) أي جميع الأيمان بالله أو بعتق أو طلاق . وقال ابن غازي أي جميع متعلقات اليمين مستقبلة وماضية كانت اليمين منعقدة أو غموسا ، كذا لابن عبد السلام فمن حلف أنه يشرب البحر أو يحمل الجبل أو يميت الميت ثم استثنى فلا إثم عليه ، وهذه فائدة الاستثناء .

وحمله على جميع الأيمان معناه إذا قال أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار إلا واحدة نفعه الاستثناء بإلا بشروطه الآتية في قوله ( إن اتصل ) الاستثناء بإن شاء الله أو بإلا أو إحدى أخواتها والمعتبر اتصاله بالمقسم عليه حيث تعلق الاستثناء به وأما إن تعلق بالمقسم به أي بعدده كما في الطلاق ولا يكون هذا إلا بإلا أو إحدى أخواتها فهل لا بد من اتصاله بالمقسم به نحو عليه الطلاق ثلاثا إلا واحدة لا يفعل ، كذا أو ليفعلنه أو يكتفي باتصاله بالمقسم عليه نحو عليه الطلاق ثلاثا لا يفعل كذا ، أو ليفعلنه إلا واحدة خلاف ، فإن انفصل لم يفد كان مشيئة أو غيرها .

( إلا ) أن يكون الفصل ( لعارض ) لا يمكن رفعه كسعال أو عطاس أو انقطاع نفس قاله ابن المواز أو تثاؤب ، وظاهره ولو اجتمعت هذه الأمور أو تكررت لا رد لسلام وحمد عاطس وتشميته فيضر ( ونوى الاستثناء ) أي النطق به لا إن جرى على لسانه بلا قصد بل سهوا فلا يفيد مشيئة أو غيرها ( وقصد ) به حل اليمين من أول النطق [ ص: 17 ] بالله أو في أثناء اليمين أو بعد فراغه بلا فصل ولو بتذكير ، كقول شخص للحالف قل إلا أن يشاء الله فيقولها عقب فراغه من المحلوف عليه بلا فصل امتثالا للأمر فينفعه ذلك احترازا من قصد التبرك بإن شاء الله ومن عدم القصد لشيء . وليس ما هنا بتكرار مع قوله أولا إن قصده لأنه هناك قيد في عدم الإفادة في غير الله فمفهومه مفهوم موافقة أحرى ، وهذا قيد في الإفادة فمفهومه مفهوم مخالفة وإن أمكن الاكتفاء بأحدهما .

( ونطق به ) أي الاستثناء جهرا بل ( وإن سرا بحركة لسانه ) إن لم يحلف في حق وجب عليه أو شرط في نكاح أو عقد بيع وإلا لم ينفعه عند سحنون وأصبغ وابن المواز لأنها حينئذ على نية المحلف عند هؤلاء وهو لا يرضى باستثنائه خلافا لابن القاسم في العتبية ، واستثنى مما دل عليه الكلام السابق أي ولا يكفي في الخروج من عهدة اليمين النية أولا التي لم يصحبها لفظ استثناء فقال ( إلا أن يعزل في يمينه أولا ) بشد الواو أي ابتداء قبل شروعه في اليمين فتكفي فيه النية حينئذ ولو مع قيام البينة .

واختلف هل يحلف أم لا إلا في وثيقة حق فلا ينفعه العزل على الأصح قاله في الشامل ، وما أحسن قول الشيخ سالم ولما كان المخصص استثناء يشترط فيه النطق كما مر ومحاشاة لا يشترط فيها النطق ، بل النية فيها كافية أخرجها من شرط النطق بقوله إلا أن يعزل الحالف شيئا بنيته في يمينه أي يخرجه ثم يصدرها على ما سواه فينفعه ذلك العزل بالنية من غير لفظ ومثل ذلك بأشد الأشياء فقال ( ك ) عزل ( الزوجة ) أولا ( في ) الحلف ب ( الحلال ) أو كل حلال ( علي حرام ) لا فعلت أو لأفعلن كذا ، ثم فعله في الأول أو عزم على عدم فعله في الثاني فلا يلزمه شيء في الزوجة على الصحيح لأن اللفظ عام أريد به خاص بخلاف الاستثناء فإنه إخراج لما دخل في اليمين أولا فهو عام مخصوص . واحترز بقوله أولا من طريان نية العزل بعد النطق باليمين فلا تكفي النية ولا بد من الاستثناء [ ص: 18 ] نطقا متصلا وقصد حل اليمين به ونية ما عداها لا توجب تحريما لما أحله الله تعالى كما سيقول وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة لغو ( وهي المحاشاة ) أي المسماة بها عند الفقهاء فهي من العام الذي أريد به خاص لأنه أطلق لفظ الحلال وأراد به ما عدا الزوجة فلم يرد عمومه لا تناولا ولا حكما فهو كلي استعمل في جزئي بخلاف مسألة الاستثناء فإنها من العام المخصوص وهو الذي عمومه مراد تناولا لا حكما لقرينة التخصيص بالاستثناء فالقوم في قولنا قام القوم إلا زيدا متناول لكل فرد من أفراده حتى زيد والحكم بالقيام متعلق بما عداه فلا يقال في الاستثناء إخبار عن زيد بأنه قام وبأنه لم يقم . فإن قلت ما المانع من اندراج مسألة المصنف في العام المخصوص فالحلال في قوله الحلال عليه حرام متناول لكل فرد من أفراده حتى الزوجة ، والحكم بالتحريم متعلق بما عداها كما في قام القوم إلا زيدا . قلت عدم القرينة اللفظية الدالة على عدم تعلق الحكم بها ، والنية خفية فليست قرينة لفظية أفاده عب .

البناني ما فسر به المصنف المحاشاة أصله لابن محرز وتبعه اللخمي وفسر به عبد الحق المدونة وقبله ابن ناجي عليها ونقله الحط مقتصرا عليه ، وحاصله : أن النية المخصصة إن كانت أولا نفعت وإن كانت في الأثناء لم تنفع ولا بد من الاستثناء لفظا وتعقبه مصطفى بوجهين : أحدهما اشتراط الأولية خلاف المذهب وظاهر كلامهم أنها كالنية المخصصة . القرافي المحاشاة هي التخصيص بعينه من غير زيادة ولا نقصان فليست شيئا غير التخصيص . وقال ابن رشد شرط النية المخصصة حصولها قبل تمام اليمين فهي بعدها ولو وصلت بها لغو بخلاف الاستثناء . وجعل ابن عبد السلام تفصيل ابن محرز ثالثا مقابلا للمشهور من أنه تنفعه نيته ولو في الأثناء ، ونسبه ابن هارون للمدونة وسلم ابن عرفة ذلك لهما ، ويؤيده ما نقله المواق عن عبد الحق فعلى المصنف اعتماد المشهور وإسقاط لفظ أولا .

ثانيهما أن كلام المصنف وابن محرز ومن تبعه يقتضي أن المحاشاة قاعدة مطردة وأن مسألة الحلال عليه حرام فرد من أفرادها وليس كذلك ، إذ ظاهر كلامهم أنها خاصة [ ص: 19 ] بمسألة الحلال عليه حرام لإطلاقهم في النية المخصصة أنها لا تقبل مع المرافعة ، وقالوا في الحلال عليه حرام تقبل المحاشاة ولو قامت البينة ، ولفرق الباجي بين قبول المحاشاة مطلقا وبين التفصيل في النية المخصصة بأن ما يحلف به لا يقتضي الاستيعاب ، لأن أصل الأيمان هي اليمين بالله عز وجل ، وهو مبني على التخصيص ، ولذا لو قال الحالف علي الطلاق لجاز أن يقول أردت واحدة ، والمحلوف عليه يقتضي الاستيعاب لأنه إذا حلف لا كلمت رجلا حمل على العموم ، وأيضا الباجي أجرى إخراج الطلاق والعتق بالنية من الأيمان اللازمة على الخلاف في محاشاة الزوجة من الحلال عليه حرام ، فلو كانت قاعدة مطردة ما احتاج إلى هذا الإجزاء ا هـ . البناني فيما استدل به نظر فإن كلام الباجي في الموضعين لا يدل على ما ادعاه . طفي من التخصيص بل على أنها قاعدة مطردة في كل محلوف به بأي لفظ كان دون المحلوف عليه ، والإجزاء الذي ذكره لا يمنع ذلك بل يفيد استواء الحكم ، وكلام المصنف أيضا لا يأبى ذلك ويشهد له قول ابن رشد في سماع أصبغ القياس لا يصدق القائل الحلال عليه حرام إن ادعى محاشاة زوجته مع قيام البينة لادعائه خلاف ، ظاهر لفظ كحالف لا أكلم زيدا وقال نويت شهرا ، وتصديقه في الزوجة استحسان لمراعاة الخلاف في أصل اليمين . ا هـ . فانظر قوله لمراعاة الخلاف في أصل اليمين فإنه ربما يفيد قبول النية في أصل كل يمين والله أعلم .

والحاصل أن ما أفاده ابن محرز ومن تبعه من أن المحاشاة قاعدة مطردة في المحلوف به والمحلوف عليه ليس بظاهر كما قال لإطلاقهم قبول المحاشاة وتفصيلهم في النية المخصصة ، وأن ما ادعاه طفي من تخصيصها ب الحلال عليه حرام لم يقم له عليه دليل ، فإن ادعى اطرادها في المحلوف به فقط كما يفيده كلام الباجي لم يبعد والله أعلم .




الخدمات العلمية