الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَالظُّلْمُ ضِدُّ الْإِحْسَانِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْعَدْلُ وَغَيْرُهُ، فَإِنَّ الْعَادِلَ مُحْسِنٌ مِنْ جِهَةِ عَدْلِهِ، وَأَمَّا حَيْثُ يَكُونُ الْعَدْلُ هُوَ الْوَاجِبَ، فَالْعَادِلُ أَيْ بِكَمَالِ الْإِحْسَانِ كَالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْقَسْمِ وَالْحُكْمِ، بِخِلَافِ عَدْلِ الْإِحْسَانِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، فَإِنَّ هَذَا مُحْسِنٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَدِ وَلَمْ يَظْلِمْ. وَقَدْ قَرَّرْنَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ أَنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ كُلُّهُ، لَمْ يُبَحْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَصْلُهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ، فَإِنَّ الظُّلْمَ إِضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، لَكِنَّ الْإِضْرَارَ الْمُسْتَحَقَّ جَائِزٌ تَارَةً، وَوَاجِبٌ أُخْرَى، وَإِنَّمَا أُبِيحُ إِضْرَارُ الْحَيَوَانِ لِلْحَاجَةِ، وَالْحُكْمُ الْمُقَيَّدُ بِالْحَاجَةِ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِهَا، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ إِضْرَارَ بَنِي آدَمَ، بَلِ الضِّرَارُ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ، وَقَالَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ، وَقَالَ: وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:" مَنْ شَقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ" ، وَقَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشَاقَّةَ وَالْمُضَارَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، أَوْ عَلَى فِعْلِ ضَرَرٍ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي قَصْدِ الْإِضْرَارِ، وَلَوْ بِالْمُبَاحِ، أَوْ فِعْلِ الْإِضْرَارِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَهُوَ مُضَارٌّ. وَأَمَّا إِذَا فَعَلَ الضَّرَرَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، لَا لِقَصْدِ الْإِضْرَارِ، فَلَيْسَ بِمُضَارٍّ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ النَّخْلَةِ الَّتِي كَانَتْ تَضُرُّ صَاحِبَ الْحَدِيقَةِ، لَمَّا طَلَبَ مِنْ صَاحِبِهَا الْمُعَاوَضَةَ عَنْهَا بِعِدَّةِ طُرُقٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَنْتَ مُضَارٌّ" ثُمَّ أَمَرَ بِقَلْعِهَا. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الضِّرَارَ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُ صَاحِبِهِ مِنْهُ، فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ نَفْعَ الْخَلْقِ، وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وَهَذَا هُوَ الرَّحْمَةُ الَّتِي بُعِثَ بِهَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ" . وَالرَّحْمَةُ يَحْصُلُ بِهَا نَفْعُ الْعِبَادِ، فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَقْصِدَ الرَّحْمَةَ وَالْإِحْسَانَ وَالنَّفْعَ، لَكِنْ لِلِاحْتِيَاجِ إِلَى دَفْعِ الظُّلْمِ شُرِّعَتِ الْعُقُوبَاتُ، وَعَلَى الْمُقِيمِ لَهَا أَنْ يَقْصِدَ بِهَا النَّفْعَ وَالْإِحْسَانَ، كَمَا يَقْصِدُ الْوَالِدُ بِعُقُوبَةِ وَلَدِهِ، وَالطَّبِيبِ بِدَوَاءِ الْمَرِيضِ. وَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَنَّ الدِّينَ وَالشَّرْعَ لَمْ يَأْمُرْ إِلَّا بِمَا هُوَ نَفْعٌ وَإِحْسَانٌ وَرَحْمَةٌ لِلْعِبَادِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ وَيُرِيدَهُ، فَيَكُونَ مَقْصُودُهُ الْإِحْسَانَ إِلَى الْخَلْقِ وَنَفْعَهُمْ. وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْإِضْرَارِ بِبَعْضِهِمْ فَعَلَهُ عَلَى نِيَّةِ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، أَوْ يَحْصُلُ بِهِ مَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْ عَدَمِهِ، فَهَاهُنَا أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ، عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَفَاعِلُهُ هُوَ الْبَارُّ وَالْبَرُّ، وَهُوَ الْمُحْسِنُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْمَأْمُورُ بِهِ مَنْدُوبًا، وَالْإِحْسَانُ الْمَأْمُورُ بِهِ مَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْعَدْلِ، فَأَمَّا مَا يَرْفَعُ الْعَدْلَ فَذَاكَ ظُلْمٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِشَخْصٍ، مِثْلَ نَفْعِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ إِعْطَاءً أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَنَفْعِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ بِالْمُحَابَاةِ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا ظُلْمٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ قَدْ يُسَمَّى إِحْسَانًا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية