الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَكُونُ عَنْ فَاعِلَيْنِ اثْنَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْمَعْلُولُ الْوَاحِدُ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَكُونُ عَنْ عِلَّتَيْنِ تَامَّتَيْنِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْفُقَهَاءِ: يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، يَعْنُونَ بِهِ تَعْلِيلَ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ بِالنَّوْعِ، كَالْمِلْكِ وَحِلِّ الدَّمِ، وَالْحْكُمُ الْوَاحِدُ بِالنَّوْعِ لَهُ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّوْعِ، وَالْوَاحِدُ بِالْعَيْنِ لَهُ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ بِالْعَيْنِ. وَإِذَا تَعَدَّدَتْ أَشْخَاصُ النَّوْعِ مِنَ الْعِلَلِ تَعَدَّدَتْ أَشْخَاصُ الْأَنْوَاعِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَإِذَا كَانَتْ هُنَاكَ جِنْسٌ مِنَ الْعِلَلِ لَهُ عِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ كَانَ لَهَا أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَإِنْ كَانَ جِنْسٌ مِنَ الْأَحْكَامِ لَهُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ كَانَ لَهُ أَسْبَابٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ، فَلَا نِزَاعَ، لَكِنَّ هَذَا يُعْلَمُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا إِذَا وَجَدْنَا حُكْمًا وَاحِدًا وَهُنَاكَ وَصْفَانِ مُنَاسِبَانِ لَهُ، فَهَلْ يَجُوزُ جَعْلُهُمَا عِلَّتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ بِالْحُكْمِ بِدُونِ الْآخَرِ، بِدُونِ أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ غَيْرِ الِاسْتِنْبَاطِ؟ أَوِ الْوَاجِبُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِمَا جَمِيعًا وَجَعْلُهُمَا جُزْءَا الْعِلَّةِ؟ الصَّوَابُ هُوَ الثَّانِي، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ لَا مُسْتَنْبَطَتَيْنِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدُ النَّوْعِ، أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلَّةٌ بِالْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ، فَإِنَّ الْفَرْقَ مُعَارِضُهُ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْفَرْعِ بِأَنْ يُبْدِيَ الْفَارِقَ فِي الْأَصْلِ وَصْفًا آخَرَ غَيْرَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ لَهُ مُدْخَلٌ فِي التَّعْلِيلِ، أَوْ يُبْدِي فِي الْفَرْعِ وَصْفًا مُخْتَصًّا بِهِ يَمْنَعُ مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْأَصْلِ، فَإِذَا عَارَضَ فِي الْأَصْلِ بِوَصْفٍ آخَرَ، فَلَوْ كَانَ كُلُّ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ يُمْكِنُ جَعْلُهُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لَمَا أَمْكَنَ الْفَرْقُ قَطُّ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ: وَصْفِي عِلَّةٌ، وَهَذَا الْوَصْفُ عِلَّةٌ أُخْرَى، فَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِوَصْفِي. وَهَذَا بَاطِلٌ لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ اسْتِقْلَالَ ذَلِكَ الْوَصْفِ بِالْحُكْمِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ وَحْدَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ، غَيْرِ الْمُنَاسَبَةِ وَمُجَرَّدِ التَّأْثِيرِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي اسْتِقْلَالَهُ بِالْحُكْمِ. وَأَمَّا عَدَمُ التَّأْثِيرِ فَأَنْ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ، كَمَا أَنَّ النَّقْضَ إِبْدَاءُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحُكْمَ غَنِيٌّ عَنِ الْوَصْفِ، فَلَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ، بَلِ الْمُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ غَيْرُهُ. وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا لَمْ يَخْلُفْ ذَلِكَ الْوَصْفَ وَصْفٌ آخَرُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَاءِ هَذَا الْوَصْفِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى لَمْ يَقْدَحْ فِيهِ، لِكَوْنِ الْحُكْمِ لَهُ عِلَّتَانِ، مَعَ عَدَمِ إِحْدَاهُمَا كَانَ لِوُجُودِ الْأُخْرَى. فَالْفَارِقُ يَقُولُ: هَذَا الْوَصْفُ لَيْسَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ، بَلِ الْمُؤَثِّرُ هُوَ وَالْوَصْفُ الْآخَرُ، أَوِ الْوَصْفُ الْآخَرُ، فَلَا يَكُونُ هُوَ الْعِلَّةَ. وَنَافِي التَّأْثِيرِ يَقُولُ: هَذَا الْوَصْفُ لَيْسَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بِدُونِهِ، فَفِي كُلٍّ مِنَ الْوَضْعَيْنِ قَدْ بَيَّنَ اسْتِغْنَاءَ الْحُكْمِ عَنْ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، تَارَةً بِوُجُودِهِ دُونَهُ، وَتَارَةً بِأَنَّ مَعَهُ غَيْرَهُ. فَذَاكَ وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ وُجُودِهِ، وَهَذَا وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ تَأْثِيرِهِ وَاقْتِضَائِهِ، وَكِلَاهُمَا مُعَارَضَةٌ فِي عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ. كَمَا أَنَّ النَّقْضَ أَيْضًا مُعَارَضَةٌ، وَإِذَا كَانَ فِي الْفَرْقِ مَعَ قَوْلِنَا: يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، لَيْسَ لَهُ دَعْوَى ذَلِكَ، إِذَا لَمْ يُثْبِتِ الْعِلِّيَّةَ إِلَّا بِالِاسْتِنْبَاطِ، بَلِ الْأَصْلُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ، لَا أَنَّ كُلَّ وَصْفٍ عِلَّةٌ. كَذَلِكَ فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ كَانَ لِعِلَّةٍ أُخْرَى إِنْ لَمْ يُبَيِّنْ تِلْكَ الْعِلَّةَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلَّةٍ أُخْرَى، وَالْأَصْلُ زَوَالُ الْحُكْمِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ. وَأَمَّا إِمْكَانُ أَنْ تَخْلُفَهَا عِلَّةٌ أُخْرَى فَتَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ عِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا، وَإِلَى بَيَانِ وُجُودِهَا، وَهَذَا لَا يَكُونُ مُجَرَّدَ الِاسْتِنْبَاطِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا وُجِدَ الْحُكْمُ هُنَاكَ لِوُجُودِ الْوَصْفِ الْآخَرِ الْمُنَاسِبِ، وَذَاكَ عِلَّةٌ أُخْرَى، بَلْ يُقَالُ لَهُ: ذَاكَ جُزْءُ الْعِلَّةِ، كَمَا يَقُولُ الْفَارِقُ سَوَاءٌ، فَإِنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ كَوُجُودِ الْحُكْمِ بِدُونِ كَوْنِهِ عِلَّةً، وَكِلَاهُمَا مُعَارَضَةٌ فِي كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ عِلَّةً، لَكِنَّ هَذَا بَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُودِ الْحُكْمِ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْمُقْتَضِيَ لَهُ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ سُؤَالِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ مَعَ قَوْلِنَا بِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ سُؤَالُ الْفَرْقِ، فَإِنَّهُمَا سُؤَالَانِ مَشْهُورَانِ مُسْتَعْمَلَانِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: "يَجُوزُ فِي الْجُمْلَةِ". لَمْ يَقُولُوا: إِنَّا نَحْكُمُ بِهِ حَيْثُ رَأَيْنَا وَصْفَيْنِ، وَلَا أَنَّهُ يُسَوَّغُ أَنْ يُدَّعَى تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ هُمْ إِنَّمَا أَثْبَتُوا ذَلِكَ فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ بِعِلَلٍ مَنْصُوصَةٍ، فَهَذَا شَرْطَانِ مَوْجُودَانِ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الصُّوَرِ. وَقَدْ ظَهَرَ الْكَلَامُ فِي أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، وَهُوَ النَّصُّ، وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الشَّرْطِ الثَّانِي، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِهَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ بِالْعَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ أَسْبَابٌ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مُسْتَقِلًّا بِهِ لَوِ انْفَرَدَ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَظَاهِرٌ أَنَّهَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْأَوْصَافُ أَبْعَاضُهَا، لَا أَنَّهَا عِلَلٌ. وَأَمَّا الثَّانِي: مِثْلَ الرِّدَّةِ وَالزِّنَا وَالْقِصَاصِ فِي حِلِّ الدَّمِ، وَمِثْلَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ، وَمِثْلَ الْمَسِّ وَالْبَوْلِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ. فَهَذَا وَإِنْ حَصَلَ نِزَاعٌ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ وَإِنْ حَصَلَ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا، فَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْأَئِمَّةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ: هَذَا مِثْلُ لَحْمِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ، حَرَامٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ وَاحِدًا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْخِنْزِيرِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ الْمَيْتَةِ مِنْ غَيْرِ الْخِنْزِيرِ، بَلْ أَثْبَتَ فِيهِ تَحْرِيمَيْنِ. وَكَذَلِكَ حِلُّ الدَّمِ بِالْأَسْبَابِ الْمُجْتَمِعَةِ هُوَ حِلٌّ مُتَعَدِّدٌ، وَلَكِنْ ضَاقَ الْمَحَلُّ، وَلِهَذَا إِذَا زَالَ الْوَاحِدُ بَقِيَ الْآخَرُ، وَلَوْ كَانَ الْحِلُّ وَاحِدًا لَوَجَبَ إِذَا زَالَ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ زَالَ بَعْضُهُ، فَيَكُونُ الْبَاقِي بَعْضَ حِلٍّ، فَلَا يُبَاحُ، لَكِنْ قَدْ تَتَدَاخَلُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ، فَتَدَاخُلُهَا لَا يَمْنَعُ تَعَدُّدَهَا. وَعَلَى هَذَا، فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ حُدُودٌ، فَالْوَاجِبُ عُقُوبَاتٌ مُتَدَاخِلَةٌ مِنْ جِنْسٍ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: تَتَدَاخَلُ، كَمَنْ سَرَقَ ثُمَّ سَرَقَ، أَوْ شَرِبَ ثُمَّ شَرِبَ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّابِتَ أَحْكَامٌ، لَكِنْ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي مِثْلِ هَذَا تَدَاخَلَتْ، وَإِلَّا فَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يُعْقَلُ فِيهِ تَدَاخُلٌ، وَإِنَّمَا التَّدَاخُلُ مَعَ التَّعَدُّدِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَجْتَمِعُ لَهُ سَبَبَانِ مُسْتَقِلَّانِ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ وَالْمَفْعُولُ الْوَاحِدُ، لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ فَاعِلَيْنِ تَامَّيْنِ، فَالشَّخْصَانِ الْمُتَعَاوِنَانِ عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ يَقُومُ بِذَاتِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْفِعْلِ مَا لَا يَقُومُ بِذَاتِ الْآخَرِ، فَلَيْسَ فِعْلُهُمَا وَاحِدًا بَلْ مُتَعَدِّدٌ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية