الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ افْتِقَارُ الْمُحْدَثِ إِلَى مُحْدِثٍ أَظْهَرَ وَأَبْيَنَ وَأَبْدَهَ لِلْعَقْلِ مِنْ كَوْنِ الْمُمْكِنِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ مُفْتَقِرًا إِلَى الْمُرَجَّحِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كُلَّ مَا دَلَّ فِي بَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ كَثْرَةُ الْأَدِلَّةِ وَقُوَّتُهَا عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ. وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، كَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ: مَنْ قَالَ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ لَمْ يَخْلُقْهَا [اللَّهُ] ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ وَفِعْلُهُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ مَرْبُوبًا لَهُ، لَا يُوجَدُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَإِعَانَتِهِ، إِذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بِنَفْسِهِ، أَوْ حَادِثًا مِنْ غَيْرِ مُحْدِثٍ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، مُبْتَغًى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يُفْعَلُ إِلَّا لِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَإِلَهِيَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ فِيهِ مَقْصُودُ مُرَادٍ، إِذِ الْقَصْدُ وَالْعَمَلُ لِغَيْرِ مَقْصُودِ مُرَادٍ مُمْتَنِعٌ، كَمَا أَنَّ الْحَادِثَ مِنْ غَيْرِ مُحْدِثٍ مُمْتَنِعٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْمُرَادَ الْمَحْبُوبَ بِعَمَلِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَالِقَ لَهُ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى التَّسَلْسُلِ وَالدَّوْرِ، فَكَمَا قُلْنَا: لَوْ كَانَ قَصْدُهُ حَادِثًا بِقَصْدٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَصْدُ الثَّانِي حَادِثًا بِالْأَوَّلِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وَإِنْ كَانَ حَادِثًا بِغَيْرِهِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ. فَيُقَالُ: لَوْ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُحْدِثًا لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنِ الْقَاصِدِ، كَمَا يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْفَاعِلُ عَلَى الْمَفْعُولِ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَفْعَلَ نَفْسُهُ نَفْسَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَقْصِدَ نَفْسُهُ نَفْسَهُ، لِوُجُوبِ تَأَخُّرِ نَفْسِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلِوُجُوبِ تَقَدُّمِ نَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ، وَهَذَا بَيِّنٌ، إِذْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَأَخَّرَ هَذَا الْمَقْصُودُ عَنْ وُجُودِ ذَاتِهِ، فَتَكُونُ ذَاتُهُ قَبْلَ وُجُودِ هَذَا الْمَقْصُودِ، فَإِذَا كَانَتْ ذَاتُهُ هِيَ الْمَقْصُودَ وَهِيَ الْقَاصِدَ، لَزِمَ أَنْ لَا تَكُونَ إِلَّا مُتَقَدِّمَةً، وَأَنْ لَا تَكُونَ إِلَّا مُتَأَخِّرَةً، فَتَكُونَ مَوْجُودَةً مَعْدُومَةً أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إِذَا كَانَ نَفْسُ ذَاتِهِ هِيَ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ مِنْ وُجُودِهَا، وَهَذَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ هُنَا فِي قَصْدِهِ لِفِعْلِ نَفْسِهِ الَّذِي يَفْعَلُهُ هُوَ. فَيُقَالُ: مَقْصُودُهُ بِفِعْلِهِ كَإِحْدَاثِهِ لِفِعْلِهِ، كَمَا أَنَّ مَقْصُودَ فَاعِلِهِ بِهِ كَإِحْدَاثِ فَاعِلِهِ لَهُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ حُدُوثَ قَصْدِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءً مِنْهُ بَلْ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ كَوْنَهُ مِنْهُ يُفْضِي إِلَى التَّسَلْسُلِ وَالدَّوْرِ. فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُنْتَهَى قَصْدِهِ وَإِرَادَتِهِ بِعَمَلِهِ، بَلْ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ وَكَوْنِ الْعَمَلِ غَيْرَ نَافِعٍ بَلْ ضَارًّا، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَقْصُودَ بِعَمَلِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَصْلَحَةً لِنَفْسِهِ، أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِنَفْسِهِ كَانَ عَمَلُهُ فَاسِدًا بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ حَاصِلَةً فِي نَفْسِهِ قَبْلَ قَصْدِهِ وَعَمَلِهِ كَانَ هَذَا الْقَصْدُ وَالْعَمَلُ بَاطِلًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِ النَّفْسِ هِيَ مُنْتَهَى الْقَصْدِ مَا يُوجِبُ مَصْلَحَةً، فَإِنَّ النَّفْسَ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَطْلُبَ الْمُصْلِحَةَ بِالْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ النَّفْسِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودَ لِمَصْلَحَةِ النَّفْسِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ لَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنْ غَيْرِهَا، وَهَذَا مُبَيَّنٌ نَظِيرُ مَا قُلْنَاهُ فِي الْأَسْبَابِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ لِلنَّفْسِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ بِهَذَا الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ إِنْ كَانَ حَاصِلًا فِيهَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ فَائِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِيهَا لَمْ يُطْلَبْ حُصُولُهُ بِالْقَصْدِ وَالْعَمَلِ إِلَّا مِنْ غَيْرِهَا. فَكَمَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ حُدُوثَ أَفْعَالِ النَّفْسِ لَا تُوجَدُ بِمُجَرَّدِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، فَكَذَلِكَ نَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ النَّفْسِ لَا تَنْفَعُهَا وَتُفِيدُهَا وَتُصْلِحُهَا بِمُجَرَّدِ النَّفْسِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَايَةٍ مُنْفَصِلَةٍ يَكُونُ فِي قَصْدِهَا صَلَاحُ النَّفْسِ وَمَنْفَعَتُهَا وَخَيْرُهَا. وَلِهَذَا كُلُّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِنَفْسِهِ كَانَ طَالِبًا لِمَصْلَحَتِهَا مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهَا، مِثْلَ مَنْ يَصْنَعُ الطَّعَامَ لِلْأَكْلِ، وَالثِّيَابَ لِلِبَاسِ، وَالْكُرْسِيَّ لِلْجُلُوسِ، فَإِنَّ الْغَايَةَ الْمَقْصُودَةَ لِلطَّعَامِ هِيَ الْأَكْلَ، وَغَايَةَ الْأَكْلِ هِيَ وُجُودُ اللَّذَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ بِالْأَكْلِ وَالشِّبَعُ وَدَفَعُ أَلَمِ الْجُوعِ، فَهَذِهِ الْمَنْفَعَةُ وَاللَّذَّةُ الْمَطْلُوبَةُ لِلنَّفْسِ لَا تُطْلَبُ مِنَ النَّفْسِ، بَلْ يُطْلَبُ حُصُولُهَا لَهَا بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِهَا، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا تَتَحَرَّكُ إِرَادَتُهُ إِلَّا بِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ، مِثْلَ أَنْ يُحِسَّ مَا يُوجِبُ حَرَكَتَهُ أَوْ يَسْمَعَ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَتَحَرَّكُ إِلَّا بِشُعُورٍ وَإِحْسَاسٍ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ ابْتِدَاءً إِلَّا بِأَسْبَابٍ مُنْفَصِلَةٍ، إِذْ هِيَ وَحْدَهَا لَا تَقْتَضِي الْحَرَكَةَ وَالْإِرَادَةَ، كَمَا أَنَّهَا وَحْدَهَا لَا تُحَصِّلُ اللَّذَّةَ وَالْمَصْلَحَةَ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا قَصَدَتْ بِفِعْلِهَا أَمْرًا فَالْمَقْصُودُ إِنْ كَانَ حَاصِلًا فِيهَا كَانَ ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ فِيهَا امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ هِيَ مُنْتَهَى الْقَصْدِ وَغَايَةَ الْمُرَادِ، إِذِ الْمَقْصُودُ الْمُرَادُ يُطْلَبُ حِينَئِذٍ لَهَا مِنْ غَيْرِهَا، فَإِذَا جَعَلَ الْإِنْسَانُ غَايَةَ مَقْصُودِهِ هُوَ نَفْسَهُ وَهَوَى نَفْسِهِ، لَمْ يَقْصِدْ مَا يُصْلِحُ نَفْسَهُ وَيَنْفَعُهَا، بَلْ مَا يَضُرُّهُ أَوْ لَا يَنْفَعُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ . وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالْبُرْهَانِ الْمُشَابِهِ لِبُرْهَانِ الْإِحْدَاثِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ إِذَا فَعَلَ فِعْلًا فَإِمَّا أَنْ يَصْلُحَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ بِمُجَرَّدِهِ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ شَيْئًا آخَرَ، فَإِنْ صَلُحَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ وَغَايَةِ الْفَاعِلِ، جَازَ فِي كُلِّ فِعْلٍ مَقْصُودٍ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يَصْلُحَ لِلنُّفُوسِ كُلُّ مَا يُحِبُّهُ وَيَهْوَاهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، بَلْ وَجَبَ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ شَيْئًا آخَرَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَوَى نَفْسِهِ وَمُرَادَهُ أَوْ أَمْرًا آخَرَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُفْضِي إِلَى الدَّوْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بِفِعْلِ أَمْرٍ لِكَوْنِ نَفْسِهِ تَهْوَاهُ وَتَقْصِدُهُ وَتُحِبُّهُ، فَكَوْنُهَا تُحِبُّ ذَلِكَ وَتَهْوَاهُ وَتَقْصِدُهُ إِمَّا أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ غَايَةً مَقْصُودَةً بِالْفِعْلِ أَوْ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بَطَلَ هَذَا، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَايَةً مَقْصُودَةً بِالْفِعْلِ صَلَحَ فِي فِعْلِهَا الْأَوَّلِ الَّذِي قَصَدَتْ بِهِ هَذَا أَنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا تُحِبُّهُ وَتَقْصِدُهُ وَتَهْوَاهُ. وَمَتَى صَلَحَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أَنْ تَكُونَ لِهَذِهِ الْغَايَةِ وَلَا غَيْرِهَا، فَصَارَ كَوْنُ هَذَا مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الدَّوْرُ. وَصَارَ كَوْنُ الْفِعْلِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ لَا يُمْنَعَ مُتَحَرِّكٌ مِنْ حَرَكَتِهِ الَّتِي يَهْوَاهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْفَسَادِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ أَمْرًا آخَرَ، لَا مُجَرَّدَ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ وَتُحِبُّهُ وَتُرِيدُهُ. وَهَذَا يُبَيِّنُ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَنَّ اتِّبَاعَ الْأَهْوَاءِ مُطْلَقًا مُوجِبٌ لِلْفَسَادِ، وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَعْبُدَ الْإِنْسَانُ مُجَرَّدَ مَا يَهْوَاهُ، كَمَا قَالَ: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْبُودُ الْمَقْصُودُ يُعْبَدُ لِمَعْنًى فِيهِ، لَا لِمُجَرَّدِ إِرَادَةِ النَّفْسِ وَهَوَاهَا، وَحِينَئِذٍ فَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ وَصَارَ لِأَجْلِهِ مَحْبُوبًا مَعْبُودًا إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِنَفْعٍ مِنْهُ إِلَى الْمُحِبِّ الْقَاصِدِ الْعَابِدِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِذَاتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ فِي قَصْدِهِ وَمَحَبَّتِهِ صَلَاحَ الْقَاصِدِ الْعَابِدِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُهُ، فَلَيْسَ غَيْرُهُ مُسْتَقِلًّا بِالنَّفْعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ سَبَبًا فِيهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ الَّذِي يَفْعَلُهُ إِمَّا أَنْ يُيَسِّرَهُ اللَّهُ أَوْ لَا يُيَسِّرَهُ، فَإِنْ يَسَّرَهُ وَصَلَ إِلَيْكَ مِنْهُ، سَوَاءٌ قَصَدْتَهُ أَوْ لَمْ تَقْصِدْهُ، وَإِنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ مِنْهُ، سَوَاءٌ قَصَدْتَهُ أَوْ لَمْ تَقْصِدْهُ، فَلَمْ يَكُنْ فِي عِبَادَتِهِ مَا يُوجِبُ وُصُولَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْكَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية