الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ فِي أَنَّ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ مِنْ عَلَمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ فَصْلٌ فِي أَنَّ التَّوْحِيدَ الَّذِي هُوَ إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ مِنْ عَلَمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ. وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ مِرَارًا فِي الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي مَرَاسِيلِ مَكْحُولٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا تَفَجَّرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ " ، هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الَمَرْوَذِيُّ فِي الْإِخْلَاصِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا- فِيمَا أَظُنُّ- مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، وَيُوسُفُ ضَعِيفٌ سَاقِطٌ. وَلِهَذَا ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي "الْمَوْضُوعَاتِ" ، وَطَعَنَ عَلَى الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوهُ عُمْدَتَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ مِنَ الْخَلْوَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَبُو الْفَرَجِ فِيمَا يُنْكِرُهُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ فِي مِثْلِ "تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ" وَنَحْوِهِ، قَدْ شَارَكَهُ طَوَائِفُ فِي إِنْكَارِ مَا أَنْكَرَهُ، وَكُلٌّ مِنَ الْمُنْكِرِينَ وَالْمُنْكَرِ عَلَيْهِمْ مُجْتَهِدُونَ، لَهُمْ عِلْمٌ وَدِينٌ، وَالصَّوَابُ تَارَةً يَكُونُ مَعَ هَذَا الطَّرَفِ، وَتَارَةً يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُصِيبًا مِنْ وَجْهٍ مُخْطِئًا مِنْ وَجْهٍ، فَيَقْتَسِمَانِ الصَّوَابَ وَالْخَطَأَ، وَيَكُونُ الصَّوَابُ تَارَةً فِي غَيْرِ مَا عَلَيْهِ الطَّائِفَتَانِ الْمُتَقَابِلَتَانِ، وَهَذَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْهَا. فَأَمَّا الطَّعْنُ فِي الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، فَإِنَّ نَفْسَ الْإِخْلَاصِ وَكَوْنَهُ أَصْلَ كُلِّ خَيْرٍ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَسَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا تَوْقِيتُهُ بِأَرْبَعِينَ فَفِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ الْمُرْسَلُ، وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْفَرَجِ، فَمَا أَظُنُّهُ بَلَغَهُ، وَرَآهُمُ اعْتَمَدُوا حَدِيثًا ضَعِيفًا، فَكَثِيرًا مَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى أَحَادِيثَ وَاهِيَةٍ. ثُمَّ مَرَاسِيلُ مَكْحُولٍ فِيهَا نَظَرٌ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُرْسَلِ نِزَاعٌ، لَكِنْ يُقَالُ: الْمُرْسَلُ إِذَا عَضَّدَتْهُ أَدِلَّةٌ أُخْرَى اسْتَدَلَّ بِهِ. وَالْأَرْبَعِينَ فِيهَا يَتَحَوَّلُ الْإِنْسَانُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ [ابْنِ مَسْعُودٍ] ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: "يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ". وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ : "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فَشَرِبَهَا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فَشَرِبَهَا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فَشَرِبَهَا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا". وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ، وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرُّهَاوِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فِي الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا أَرْبَعِينَ بَابًا، فِي كُلِّ بَابٍ حَدِيثٌ فِيهِ ذِكْرُ الْأَرْبَعِينَ. فَإِخْلَاصُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَهُ شَوَاهِدُ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، لَكِنَّ الْخَلْوَةَ الْمُعَيَّنَةَ قَدْ يَشْتَرِطُونَ فِيهَا شُرُوطًا مُبْتَدَعَةً خَارِجَةً عَنِ الْمَشْرُوعِ، بَلْ مَنْهِيًّا عَنْهَا، مِثْلَ اشْتِرَاطِ الصَّمْتِ الدَّائِمِ، وَالْجُوعِ الدَّائِمِ، أَوِ السَّهَرِ الدَّائِمِ، أَوْ طَعَامٍ مُعَيَّنِ الْقَدْرِ وَالْوَصْفِ، وَاشْتِرَاطِ شَيْخٍ يُدْخِلُهُ الْخَلْوَةَ، وَتَسْمِيَةِ ذَلِكَ خَلْوَةً، وَمِثْلَ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية