الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَمَا تُحِبُّهُ النُّفُوسُ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَنَاكَحِ فَإِنَّهُ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ صَلَاحُ الْأَجْسَادِ، وَمِثْلَ الذَّاتِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ. وَلِهَذَا كَانَ الْإِنْسَانُ إِذَا أَحْسَنَ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهِ مُعَاوَضَتَهُ، فَيَكُونُ الْعِوَضُ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، إِمَّا طَلَبُ عِوَضٍ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَإِمَّا لِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرِّقَّةِ، فَيَقْصِدُ بِذَلِكَ تَسْكِينَ قَلْبِهِ وَلَذَّةَ نَفْسِهِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَزَوَالَ الْأَلَمِ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا يَقْصِدُ مَا هُوَ نَحْوُ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ. وَالْإِنْسَانُ فِي لَذَّتِهِ مِثْلُ مَا هُوَ فِي إِرَادَتِهِ وَشَهْوَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا سَبَبٌ، وَهَذَا غَايَةٌ، لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّذَّاتِ الْمُنْصَرِمَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَقْصُودَ لِذَاتِهِ، فَكُلُّ مَا يَقْصِدُهُ الْإِنْسَانُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ هُوَ أَمْرٌ مُنْصَرِمٌ إِلَّا إِرَادَةَ وَجْهِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ أَوْ يَقْصِدْ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مَقْصُودًا لِذَلِكَ، كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْبَاطِلَةِ الْفَاسِدَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ لِذَاتِهِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلَا لِفَاعِلِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ فَاعِلًا مُسْتَقِلًّا لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلَا لِمَعْبُودِهِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُهُ أَنَّ نَفْسَهُ أَقْرَبُ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ إِلَى نَفْسِهِ، فَلَوْ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ مُرَادًا لِذَاتِهِ لَكَانَتْ ذَاتُهُ أَحَقَّ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُحِبَّةَ الْمُرِيدَةَ لَهُ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ وَأَعْلَمُ، فَلَمَّا تَبَرْهَنَ امْتِنَاعُ ذَلِكَ فِيهِ كَانَ فِي غَيْرِهِ أَعْظَمَ امْتِنَاعًا. وَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا أَيْضًا أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْحَادِثَ الْمُنْصَرِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا لِذَاتِهِ، فَالْحَادِثُ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ يَحْدُثُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا هُوَ مَقْصُودُ الْفَاعِلِ، بَلِ الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً، وَإِنْ كَانَ مَا يَقْصِدُ بِالْفِعْلِ لَهَا يَكُونُ بَعْدَ الْفِعْلِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مَقْصُودٍ مُرَادٍ مُتَقَدِّمٍ بِالذَّاتِ عَلَى الْفِعْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ هِيَ عِلَّةُ مَاهِيَّتِهَا وَحَقِيقَتِهَا لِفَاعِلِيَّةِ الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ، فَإِنَّمَا صَارَ الْفِعْلُ فَاعِلًا لِأَجْلِهَا، وَالْعِلَّةُ يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْمَفْعُولِ. فَإِنْ قِيلَ: الْفَاعِلُ فَعَلَهَا وَيَتَصَوَّرُهَا، فَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي ذَلِكَ عَلَى الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْوُجُودِ تَتَأَخَّرُ عَنِ الْفِعْلِ. قِيلَ: هَذَا يَكُونُ فِي الْمَقْصُودِ مِنَ الْغَايَةِ لَا فِي ذَاتِهَا، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُحِبُّ الْمَحْبُوبَ مَثَلًا، فَيَقْصِدُ الِاتِّصَالَ بِهِ، كَمَا يُحِبُّ الْمَرْأَةَ فَيُرِيدُ مُبَاشَرَتَهَا، فَالذَّاتُ الْمَحْبُوبَةُ هِيَ الْغَايَةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْفِعْلِ، وَأَمَّا الْمَقْصُودُ مِنْهَا كَلَذَّةِ الْمُبَاشَرَةِ فَهِيَ تَتَأَخَّرُ عَنِ الْفِعْلِ، وَلَيْسَ إِذَا كَانَتِ اللَّذَّةُ الْحَادِثَةُ لِلْفَاعِلِ حَادِثَةً بَعْدَ فِعْلِهِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُ الْغَايَةِ حَادِثَةً، كَمَا أَنَّ فِعْلَ الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ إِذَا كَانَ حَادِثًا لَمْ يَجِبْ أَنْ تَكُونَ هِيَ حَادِثَةً. يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ إِذَا كَانَتْ سَابِقَةً فِي الْعِلْمِ وَالتَّصْوِيرِ وَالْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا حَقِيقَةٌ يَجِبُ أَنْ تُرَادَ لِأَجْلِهَا، إِذِ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا صَارَتْ مَطْلُوبَةً لِإِرَادَةِ الْفَاعِلِ، لِأَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَهَا لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرَادَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ حَقِيقَةٍ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ الْفِعْلِ تَكُونُ هِيَ الَّتِي يُفْعَلُ الْفِعْلُ لِأَجْلِهَا، وَتَكُونُ مُرَادَةً لِذَاتِهَا، وَاللَّذَّةُ تَحْصُلُ عُقَيْبَ الْفِعْلِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية