الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَمِنَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا: الْمُخَافَتَةُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالِاعْتِدَالِ فِيهِمَا وَفِي التَّشَهُّدَيْنِ، وَمُخَافَتَةُ الْمَأْمُومِ بِقِرَاءَتِهِ وَدُعَائِهِ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَقَدْ تَنَازَعُوا هَلِ الْأَفْضَلُ لَهُ الْمُخَافَتَةُ بِالْقِرَاءَةِ أَوِ الْجَهْرُ بِهَا؟ وَالِاسْتِعَاذَةُ السُّنَّةُ الْمُخَافَتَةُ بِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: يَتَعَوَّذُ بَيْنَ الْمُخَافَتَةِ وَالْجَهْرِ. وَالْبَسْمَلَةُ عِنْدَ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَهَا -وَهُمُ الْجُمْهُورُ- سُنَّتُهَا الرَّاتِبَةُ الْمُخَافَتَةُ، وَقِيلَ: الْجَهْرُ، وَقِيلَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَكَذَلِكَ التَّأْمِينُ سُنَّتُهُ الْجَهْرُ بِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصَحُّ قَوْلَيْهِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَقِيلَ: الْمُخَافَتَةُ بِهِ لَهُمَا، وَقِيلَ: يُخَافِتُ بِهِ الْمَأْمُومُ دُونَ الْإِمَامِ تَبَعًا لِقِرَاءَتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الِاسْتِفْتَاحِ الْمُخَافَتَةُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" إِلَى آخِرِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرْ بِالِاسْتِعَاذَةِ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ "بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ". وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي فِيهَا الْمُخَافَتَةُ بِالْبَسْمَلَةِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهَا، تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سَمْرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ سَمْرَةُ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَكْتَتَيْنِ، وَهُوَ فِي السُّنَنِ . وَأَمَّا لِعَارِضٍ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْهَرُ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ، فَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ". وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَجْهَرُونَ بِالْبَسْمَلَةِ، كَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا بِمَكَّةَ، وَرُوِيَ فِي جَهْرِهِ بِهَا بِالْمَدِينَةِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ ضَعَّفَهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسْمِعُهُمُ الْآيَةَ أَحْيَانًا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا السُّنَّةُ. فَمِثْلُ هَذَا الْجَهْرِ إِذَا كَانَ لِتَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ يَحْسُنُ، وَلَوْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى فَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْجَهْرُ أَعْوَنَ عَلَى الْقِرَاءَةِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ: أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأُرْضِي الرَّحْمَنَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ . فَقَدْ يَكُونُ الْجَهْرُ أَبْلَغَ فِي تَعْلِيمِهِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ فِي الْمُخَافَتَةِ مَشَقَّةٌ، وَمَهْمَا اسْتَجْلَبَ بِهِ الْخُشُوعَ وَالْبُكَاءَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَكَانَ أَنْفَعَ لِلْمَأْمُومِينَ جَازَ، وَلَا يُدَاوِمُ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ كَمَا يُدَاوِمُ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَعَلَى الرُّكُوعِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية