الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ ص: 210 ] تنبيهات [ التنبيه ] الأول .

                                                      [ تفريع مسألة شكر المنعم على التحسين والتقبيح ] إن الأصحاب جعلوا مسألة شكر المنعم والأفعال مفرعة على التحسين والتقبيح وليس بجيد . أما الأول : فلأن الشكر هو اجتناب القبيح وارتكاب الحسن ، وهو عين مسألة التحسين والتقبيح . فكيف يقال : إنها فرعها ؟ وإلى ذلك أشار ابن برهان في الأوسط " فقال : هذه المسألة عين مسألة التحسين والتقبيح ، ولا نقول : هي فرعها . إذ لا بد وأن يتخيل بين الفرع والأصل نوع مناسبة ، وهي هي . بيانه : أنا نقول معاشر المعتزلة : إن عنيتم بالشكر قول القائل الحمد لله والشكر لله ، فقد ارتكبتم محالا ، إذ العقل لا يهتدي لإيجاب كلمة ، وإن عنيتم بالشكر معرفة الله فباطل أيضا ; لأن الشكر يستدعي تقديم معرفة ، ولهذا قيل : أعرف الله أشكر . فإن قالوا : عنينا بوجوبه عقلا ما عنيتم أنتم بوجوبه سمعا . قلنا : نحن نعني بوجوب شكر المنعم سمعا امتثال أوامره ، والانتهاء عن نواهيه . قالوا : فنحن أيضا نريد بذلك الإتيان بمستحسنات العقول والامتناع عن مستقبحاتها . فقد تبين بهذا التفسير أن هذه هي عين مسألة التحسين والتقبيح حذو القذة بالقذة . فبطلان مذهبهم هنا معلوم من تلك إلا أن [ ص: 211 ] العلماء أفردوا هذه من تلك الجملة ; لعبارات رشيقة تختص بها ومعان موفقة نذكرها يظهر منها سقوط كلامهم فيها .

                                                      وأما الثاني : فلأن ما لا يقضي العقل فيها بشيء لا يتجه تفريعه على الأصل السابق ، فإن الأصل إنما هو حيث يقضي العقل هل يتبع حكمه ؟ وإنما الأصحاب قالوا : هب أن ذلك الأصل صحيح فلم قضيتم حيث لا قضاء للعقل ؟ وليس هذا تفريعا على هذا الأصل . [ التنبيه ] الثاني : [ فائدة هذه المسألة ] قال بعض المتكلمين : لا معنى للكلام في هذه المسألة الثانية من حيث إنه ما خلا زمان من سمع ، لكن لا يمنع الكلام فيما يقتضيه العقل لو لم يكن سمع . حكاه سليم الرازي ، وإلكيا الهراسي . ثم قال : وهو بعيد ، فإنه يمكن تقدير المسألة فيمن خلق في جزيرة ، ولم يبلغ أهلها دعوة الملك فهل يعلم أهلها إباحة هذه الأجناس أم لا ؟ وإن حاول محاول ترتيب فائدة شرعية على هذه المسألة لم يعدمها . فإن ما لم يوجد فيه حكم شرعي كان على حكم العقول من الإباحة في رأي أو على الحظر في رأي ، وإن كان من العلماء من لا يجوز خلو واقعة عن حكم لله متلقى من الشرع كالصيرفي ، وهو اختيار إمام الحرمين . وهو الحق عندنا . [ ص: 212 ] فعلى هذا الشافعي يبني على الإباحة تلقيا من الأئمة . وأبو حنيفة يبني على الحظر تلقيا من الشرع ، فلا مخرج عن الشرع . ا هـ . وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ : أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع ، ولا نازلة إلا وفيها سمع أو لها تعلق به . أو لها حال يستصحب . قال : فينبغي أن يعتمد على هذا ، ويغني عن النظر في حظر ، وإباحة ، ووقف .

                                                      وقال الأستاذ أبو منصور : فائدة هذه المسألة مع قولنا إنه لم يخل زمان العقلاء عن شرع وتكليف من الله يظهر في حادثة تقع ليس فيها نص ولا إجماع ولا قياس : فيكون الحكم فيها عند جمهور أصحابنا الوقف مع نفي المدح والذم عمن اعتقد فيها حظرا أو إباحة أو وقفا . ويكون حكمها الحظر عند القائل به قبله . قال القاضي أبو الطيب الطبري وتبعه صاحب القواطع " : فائدة هذه المسألة في الفقه أن من حرم شيئا أو أباحه ، فقال : طلبت دليل الشرع فلم أجده فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل يصح ذلك أم لا ؟ وهل هذا دليل يلزم خصمه أم لا ؟ وهذا أمر يحتاج الفقيه إلى معرفته والوقوف على حقيقته . قال القاضي أبو الطيب : سمعت ابن داود يحتج على إباحة استعمال أواني الذهب والفضة في غير الشرب .

                                                      فقال : الأصل في الأشياء الإباحة ، وقد ورد الشرع بتحريم الشرب فوجب أن يبقى ما عداه على التحليل . [ ص: 213 ] فقال بعض أهل العلم لهذا المحتج : مذهب داود أن هذه الأشياء موقوفة على ما يرد به الشرع ، وحينئذ فلا يجوز إثبات إباحتها بهذا الطريق ، ولا تكون إباحتها بعدم دليل شرعي أولى من حظرها ، وبطل بهذا حجة المحتج . ا هـ . ومما يتخرج على هذا ما لو لم يجد العامي في هذه المسألة ، ولا غيرها واقعة له ، ولا ناقل حكمها . قال ابن الصلاح : فهذه مسألة فترة الشريعة وحملها كما قبل ورود الشرع . والصحيح منه : لا تكليف حكاه عنه في الروضة وأقره ، وخرج في شرح المهذب " عليه النبات المجهول سميته ، واللبن المجهول كونه لبن مأكول أو غيره . ورجح الإباحة ، وهذا ضعيف ; لأن اللبن قد علم حكم الشرع فيه ، وما يباح منه وما يحرم . فالموجود فيه حكم ولكنه متردد بين تحريم وإباحة فلا يحسن تخريجه على هذا الأصل . وأما النبات فلا يبعد تخريجه فيه كحيوان لم يرد فيه نص بحل ولا حرمة . وقد ذكر الرافعي في الأطعمة : أن الماوردي خرجه على هذا الأصل ، وكذلك خرج عليه الماوردي الشعر المشكوك في طهارته ونجاسته ، والنهر المشكوك في كونه مملوكا أو مباحا : وهو تخريج ضعيف ; لما بينا في اللبن المجهول .

                                                      ولو وقع رجل على طفل من الأطفال إن أقام على أحدهم قتله ، وإن انتقل إلى آخر من جيرانه قتله . قال الشيخ عز الدين في قواعده " : قد قيل : ليس في المسألة حكم شرعي ، وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها ، ولم نر للشريعة التخيير بين هاتين المفسدتين . فلو كان بعضهم مسلما ، وبعضهم كافرا فهل يلزمه الانتقال إلى الكافر ; لأن قتله أخف مفسدة من قتل الطفل المحكوم بإسلامه ؟ [ ص: 214 ] الأظهر عندي : أنه يلزم ذلك ; لأنا نجوز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم حيث لا يجوز ذلك في أطفال المسلمين ، وبنى في موضع آخر على هذا الأصل ما إذا لم يكن في الفعل مصلحة ما ، ولا مفسدة ما كتحريك الأصبع في الهواء لغير دفع ولا نفع . قال : فالذي أراه أنه مقرر على ما كان قبل ورود الشرع ، إذ ليس في الكتاب والسنة ما يدل على أنه مطلوب الفعل ولا مطلوب الترك ولا مأذون فيه بل يكون كفعل المجانين والصبيان ومن لم تبلغه الدعوة ، وبنى الماوردي والروياني في كتاب القضاء على هذا الخلاف أيضا تقرير النبي صلى الله عليه وسلم غيره على فعل من الأفعال هل يدل على الجواز من جهة الشرع ، أو من جهة البراءة الأصلية . وكون الأصل هو الإباحة ؟ فإن قلنا : أصل الأشياء على التحريم دل التقرير على الجواز شرعا ، وإن قلنا : أصلها الإباحة فلا . وسيأتي في كتاب السنة إن شاء الله تعالى .

                                                      والتحقيق : أن تخريج هذه الفروع كلها لا يستقيم لأمرين : أحدهما : أن الأصل المخرج عليه ممنوع في الشرع ، وإنما ذكره الأئمة على تقدير التنزيل لبيان إبطال أصل التحسين والتقبيح العقليين بالأدلة السمعية . فإن الشرع عندهم كاشف لا يمكن وروده بخلاف العقل ، ومن أطلق من الأصحاب الخلاف ينبغي حمله على أنه هل يجوز الهجوم عليه ابتداء أم يجب التوقف إلى البحث عن الأدلة الخاصة ؟ فإن لم نجد ما يدل على تحريمه ، فهو حلال بعد الشرع بلا خلاف . وإنما ينبغي أن يكون مأخذ الخلاف أن الحلال هل هو ما لم يدل دليل على تحريمه أو ما دل دليل على إباحته ؟ [ ص: 215 ] الثاني : أن الكلام فيما قبل الشرع ، وهذه حوادث بعد الشرع ، وكأنهم رأوا أن ما أشكل أمره يشبه الحادثة قبل الشرع ، لكن الفرق بينهما قيام الدليل بعد الشرع فيما أشكل أمره أنه على العفو . [ التنبيه ] الثالث [ تصحيح الوقف هل يستقيم ؟ ] قيل : كيف يستقيم تصحيح الوقف في هذه المسألة مع " ما " سيأتي في الأدلة المختلفة فيها أن الأصل في المنافع هو الإباحة على الصحيح . قلت : الخلاف هنا فيما قبل الشرع ، وهناك فيما بعد الشرع بأدلة سمعية ، ولهذا عبروا ثم بالإباحة التي هي حكم شرعي .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية