الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ المنكرون للواجب الموسع ] وأما المنكرون للواجب الموسع ، فاختلفوا على خمسة مذاهب : أحدها : أن الوجوب يختص بأول الوقت ، فإن أخر عنه فقضاء غير أنه لا يأثم ، وحكاه أبو الحسين في المعتمد عن بعض الناس ، وحكاه صاحب المصادر " عن بعض الشافعية وكذا الإمام في المعالم " ، والبيضاوي في المنهاج " ، فلم ينفرد إذن بنقله كما زعم بعضهم حتى قال السبكي : سألت ابن الرفعة ، وهو أوحد الشافعية في زمانه ، فقال : تتبعت هذا في كتب المذهب فلم أجده . وقال ابن التلمساني : هذا لا يعرف في مذهب الشافعي . ولعل من عزاه إليهم التبس عليه بوجه الإصطخري ، وهو أن الذي يفضل فيما زاد [ ص: 284 ] على صلاة جبريل في الصبح والعصر يكون قضاء . انتهى .

                                                      وهو فاسد ; لأن الوقت عنده موسع ، ومنهم من أخذه من تضييق وقت المغرب على القول الجديد ، وهو فاسد ; لأن هذا تضييق ، ومنهم من أخذه من قولهم : تجب الصلاة بأول الوقت ، فظن أن الوقت متعلق بالصلاة ، وإنما أرادوا أنه يتعلق بتجب ، فوقع الالتباس في الجار والمجرور . وقيل : بل أخذه من قول الشافعي : رضوان الله أحب إلينا من عفوه ، وقيل بل من قول الشافعي في الأم " في الخامس في كتاب الحج : نقل عن بعض أهل الكلام وبعض من يفتي : أن تأخير الصلاة عن أول وقتها يصيرها قضاء ، وتأخير الحج وما أشبهه ، وهذا الأخذ فاسد ; لأن قائله لا يقول : إن الوقت يخرج ويصير قضاء بعد أوله ، كما نقل الإمام ، بل إنه يعصي بالتأخير ، ولا يلزم من العصيان خروج الوقت .

                                                      وظاهر كلامه : أن هذا القائل يقول بالتأثيم إذا أخره عن أول الوقت ، والقاضي أبو بكر نقل إجماع الأمة على أن المكلف لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت ، ولذلك عبر بعضهم عن هذا القول : أنه في آخر الوقت قضاء يسد مسد الأداء ، وما نقله الشافعي أثبت . لكن قال القاضي في التقريب " ، وابن القشيري في أصوله : ذهب بعض الفقهاء إلى أن الصلاة تجب بأول الوقت ، وإن أخرت كانت قضاء قال : وهذا القائل يجوز التأخير . قال : وقد نقل عن مالك بن أنس قريب من ذلك في الحج وجملة [ ص: 285 ] العبادات المتعلقة بالعمر ، ورأى مثل ذلك في الصلاة . ا هـ .

                                                      قال ابن القشيري : هكذا حكاه القاضي عنه . والثاني : أن الوجوب يختص بآخر الوقت ، وأوله سبب للجواز ، وهو ما مال إليه إمام الحرمين في البرهان " ونقله الأستاذ أبو منصور عن أهل الرأي ، ونقله ابن برهان في الأوسط " عن بعضهم وهكذا قاله صاحب الكبريت الأحمر " ، ونقله في المعتمد " عن أكثر المعتزلة ، ونقله ابن السمعاني عن الكرخي والرازي وأكثر أصحابهم من العراقيين . وظاهر كلام أبي بكر الرازي أن عليه أكثر الحنفية ، فإنه حكى القول بالتوسعة عن محمد بن شجاع ، ثم قال : وقال غيره من أصحابنا : إن الوجوب متعلق بآخره ، وإن أول الوقت لم يجب عليه غيره ، ثم قال : والذي حصلناه عن شيخنا أبي الحسن الكرخي : أن الوقت جميعه وقت الأداء ، والوجوب يتعين فيه بأحد وقتين ; لأنه إما أن يؤخره إلى آخر الوقت فالوجوب يتعين بالوقت المفعول فيه للصلاة . وقال شمس الأئمة السرخسي في " أصوله " : نقل عن ابن شجاع أن الصلاة تجب بأول جزء من الوقت وجوبا موسعا وهو الصحيح ، وأكثر مشايخنا العراقيين ينكرون هذا ويقولون : الوجوب لا يثبت في أول الوقت ، وإنما يتعلق بآخره بدليل ما لو حاضت في آخر الوقت لا يلزمها قضاء الصلاة إذا طهرت . ا هـ . [ ص: 286 ]

                                                      ونص الدبوسي في تقويم الأدلة " على القول بالوجوب الموسع ، وأبطل القول بتعلقه بآخره . وقال شارح الهداية " : القول بأن الصلاة تجب بآخر الوقت وفي أوله نافلة قول ضعيف نقل عن بعض أصحابنا ، وليس منقولا عن أبي حنيفة ، والصحيح عندنا : أن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا . ا هـ .

                                                      والحاصل : أن الصحيح عند الحنفية كمذهبنا ، وأن هذا القول يروى عن بعض أصحابهم ثم القائلون به فيما لو فعله أول الوقت على ثلاثة مذاهب : فقيل : تقع واجبة بكل حال ، فعلى هذا تجب الصلاة إما بفعلها أو بمجيء آخر الوقت ، وقيل : تقع نافلة بكل حال إلا أنها تمنع من وجوب الصلاة عليه في آخر الوقت كالزكاة المعجلة عندنا ، وقيل : يراعى فإن لحق آخره وهو بصفة التكليف كان فرضا وإلا فلا . حكى الثلاثة الشيخ أبو حامد الإسفراييني ، والأخيرين أبو بكر الرازي منهم . [ ص: 287 ] وقال القاضي عن الثالث : إنه الذي عول عليه الدهماء من أصحاب أبي حنيفة . والثالث : أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت إذا بقي منه قدر تكبيرة .

                                                      والرابع : كذلك ، وآخره إذا بقي قدر صلاة . فإن عجل فنفل يسقط به الفرض ، وذهب إليه بعض الحنفية . والخامس : أنه إن كان مكلفا آخر الوقت تبينا أنه وقع واجبا وإلا فنفل . نقل عن الكرخي ، وعنده الصلاة في أول الوقت لا توصف بالنفل ولا الفرض ، وهو نظير وجه عندنا في المعادة أنه ينوي بها فرضا ولا نفلا .

                                                      والسادس : أنه إن كان مكلفا آخر الوقت كان ما فعله مسقطا للفرض تعجيلا نقله أبو الحسين عن أبي عبد الله البصري . والسابع : أنه إذا اختار وقتا تعين إلى أن يتضيق ، فيتعين بالتضييق ، وهو مذهب أبي بكر الرازي ، ومنهم من عبر عنه أن يكون الوجوب مختصا بالجزء الذي يتصل الأداء به وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ، ولا يفضل عنه ، وحكاه أبو بكر الجصاص عن الكرخي . وادعى الصفي الهندي أنه المشهور عند الحنفية ، وهو ; لأن سبب الوجوب عندهم كل جزء من الوقت على البدل إن اتصل به الأداء وإلا [ ص: 288 ] فآخره ، إذ يستحيل أن يكون جميع الوقت سببا ، وإلا لزم الوجوب بعده ، وقال : وإنما عددت هذه الفرقة من المنكرين للواجب الموسع مع قولهم : إن الصلاة مهما أديت في الوقت كانت واجبة وأداء ; لأنهم لم يجوزوا أن يكون الوقت فاضلا عن الفعل بخلاف القائلين به ، فإنهم يجوزون ذلك . والثامن : أن الوجوب متعلق بجزء من الوقت غير معين كما تعلق في الكفارات بواحد غير معين ، وتأدى الوجوب فيهما بالغير . حكاه المجد بن تيمية عن بعض المتكلمين قال : وهو أصح عندي وأشبه بأصولنا في الكفارات ، فيجب أن يجعل مراد أصحابنا عليه .

                                                      والتاسع : حكاه الروياني في البحر " عن بعض أصحابنا أن كل جزء من الوقت له حظ في الوجوب ، ولا نقول : وجب بأول الوقت حتى لو أدرك جميع الوقت نقول : وجب بجميع الوقت ، وهذا كالقيام يجب بقدر الفاتحة فلو أطال القيام بقراءة السورة فالكل واجب . قال : وهذا خلاف المذهب .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية