الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      تتمة [ وجوب الأشياء قد يكون على التخيير ] وجوب الأشياء على المكلف قد يكون على التخيير ، وقد يكون على الترتيب . أما الأول : فقد يكون الجمع بينهما حراما ، كالتزويج من الكفأين ، وقد يكون مباحا ، كستر العورة بثوب بعد ثوب ، وقد يكون ندبا ، كخصال الكفارة ، كذا قاله في المحصول " وفي الأول نظر ; لأنه من باب القدر المشترك لا من المخير ، نعم نظيره لو قال : أعتق أحد [ ص: 269 ] هذين العبدين . وكذا تمثيله الثاني بستر العورة ; لأنه أيضا من القدر المشترك ، وينبغي أن يتقيد بثوب زائد على الثياب المسومة ، وأيضا فالمباح لبس الثاني ، ثم الزائد ليس بساتر للعورة ، وحكمه بالندب على الثالث يحتاج إلى دليل ، ولم نر من صرح به .

                                                      وقد يستدل بالاحتياط له وبالقياس على تعداد الرقاب فيمن عليه عتق رقبة ، ويستدل لهذا بأن عائشة رضي الله عنها حين كلمت ابن الزبير ، وكانت نذرت ترك كلامه أعتقت رقابا كثيرة . ولعل مراد الإمام أن الجمع قبل فعله غير مطلوب ، بل إذا فعله بعد فعل غيره يقع مستحبا بناء على ثواب الندب كالنافلة المطلقة ، ويشهد له تمثيلهم للمخير المباح بستر العورة بثوب بعد آخر ، وأحسن من هذا أن يمثل له بالجمع بين الماء والحجر في الاستنجاء . وأما الثاني : فقد يكون الجمع حراما كالمضطر الواجد مذكاة وميتة كذا مثله في المحصول " ، وفيه نظر ; لأن الحرام إنما هو أكل الميتة ، إذ لا تدخل المذكاة في الحرمة ، وتحريم الجمع إنما يكون لعلة دائرة بين المفردين . وقد يكون مباحا ، ومثله في المحصول " بالوضوء والتيمم وغلط ; لأن التيمم يختص بحال العجز .

                                                      وصوره بعضهم بما إذا خاف من استعمال [ ص: 270 ] الماء لمرض ولم ينته خوفه إلى القطع أو الظن بالضرر المانع من جواز استعمال الماء ، فإنه مباح له التيمم ، لأجل الخوف ، ولا يمتنع الوضوء لعدم تحقق الضرر ، فإذا توضأ بعد التيمم جاز ، ثم خدش فيه بأنه إذا توضأ بطل التيمم ; لأنه طهارة ضرورة ، ولا ضرورة هنا . قلت : وفيه نظر ، فإنه لا يمتنع اجتماع ذلك ، إذ المبيح قائم ، ويمكن تصويره بصور : أحدها : إذا وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل ، فإنه يباح له التيمم ، فلو تيمم ، ثم قبل الدخول في الصلاة ، أراد أن يتبرع بشراء الماء والوضوء به جاز .

                                                      الثانية : لو كان معه ماء يحتاج إليه لعطش ، ولو توضأ به لاحتاج إلى شرائه بأكثر من ثمن مثله ، فإنه يتخير بين أن يستعمل ما معه في الوضوء ويشتري الماء للشرب ، وبين أن يتيمم أولا ثم يتوضأ به ، وإنما قلنا بصحة التيمم في هذه الحالة ، ولم نوجب عليه استعمال ما معه وشراء الماء للشرب ; لأن الماء إذا ارتفع سعره ينزل منزلة العدم ، وحاجته إلى الشرب مقدمة على الوضوء بالماء الذي معه . فإن قيل : إذا توضأ بطل التيمم إذ لا يصح التيمم مع وجود الماء . قلنا : لا نسلم بطلانه بل التيمم المتقدم لا يبطله الوضوء بعده ; لأنه إدخال عبادة على أخرى وهما لا يتنافيان . وأما قولهم : التيمم لا يصح مع وجود الماء ، فالمراد به الماء الذي يجب استعماله . أما ما يجوز استعماله معه كهذه الصور التي صورناها فلا .

                                                      [ ص: 271 ] ويتصور اجتماعهما أيضا مع تأخر التيمم في صور . إحداها : إذا وجد ماء للوضوء ، ثم لم يوجد ماء يغتسل به للجمعة فإنه يتيمم عن الغسل ، ومثله مريد الإحرام ، والمراد بالإباحة : جواز الفعل . الثانية : لو توضأ وصلى وأراد التجديد فلم يجد ماء ، فإنه يتيمم عوضا عن تجديد الوضوء ، كما يتيمم للغسل عن الجمعة . هذا هو الذي يقتضيه الفقه .

                                                      الثالثة : ما ذكره ابن سريج في كتاب الودائع " في الماء المختلف في طهوريته ، كالماء المستعمل والنبيذ الذي يجوز أبو حنيفة الطهارة به أنه يتوضأ به ، ثم يتيمم خروجا من الخلاف .

                                                      الرابعة : الرائد للجمعة إذا وجد ما لا يكفيه للغسل ، ويكفيه للوضوء توضأ به وتيمم ، وكذلك مريد الإحرام . كل التيمم هاهنا عن الغسل ، وهذه صورة الجمع بينهما في الدوام ، ولم يذكر صورة ما يجب فيه الجمع بين التيمم والوضوء ، وذلك إذا كان بعضوه جراحة فإنه يتوضأ ويتيمم عن الجريح . واعلم أن الإمام سكت في هذا القسم عن المكروه الجمع ، والواجب الجمع ، فأما وجوب الجمع مع الترتيب فلا يمكن ، وأما المكروه الجمع بينهما في المرتب فكلحم الجلالة والمذكى للمضطر .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية