الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( قال الشافعي ) رحمه الله وفي الموضحة خمس من الإبل وهي التي تبرز العظم حتى يقرع بالمرود ; لأنها على الأسماء صغرت أو كبرت شانت أو لم تشن ولو كان وسطها ما لم ينخرق فهي موضحتان ، فإن قال : شققتها من رأسي وقال الجاني : بل تآكلت من جنايتي فالقول قول المجني عليه مع يمينه ; لأنهما وجبتا له فلا يبطلهما إلا إقراره أو بينة عليه .

( وقال ) في الهاشمة عشر من الإبل وهي التي توضح وتهشم وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وهي التي تكسر عظم الرأس حتى يتشظى فينقل من عظامه ليلتئم وذلك كله في الرأس والوجه واللحي الأسفل وفي المأمومة ثلث النفس وهي التي تخرق إلى جلد الدماغ ولم أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم فيما دون الموضحة بشيء ففيما دونها حكومة لا يبلغ بها قدر موضحة ، وإن كان الشين أكثر وفي كل جرح ما عدا الرأس والوجه حكومة إلا الجائفة ففيها ثلث النفس وهي التي تخرق إلى الجوف من بطن أو ظهر صدر أو ثغرة نحر فهي جائفة وفي الأذنين الدية وفي السمع الدية ويتغفل ، ويصاح به فإن أجاب عرف أنه يسمع ولم يقبل منه قوله ، وإن لم يجب عند غفلانه ولم يفزع إذا صيح به حلف لقد ذهب سمعه وأخذ الدية وفي ذهاب العقل الدية وفي العينين الدية وفي ذهاب بصرهما الدية فإن نقصت إحداهما عن الأخرى اختبرته بأن أعصب عينه العليلة وأطلق الصحيحة وأنصب له شخصا على ربوة أو مستوى فإذا أثبته بعدته حتى ينتهي بصرها ثم أذرع بينهما وأعطيه على قدر ما نقصت عن الصحيحة ، ولو قال : جنيت عليه وهو ذاهب البصر فعلى المجني عليه البينة أنه كان يبصر ويسعها أن تشهد إذا رأته يتبع الشخص بصره ويطرف عنه ويتوقاه وكذلك المعرفة بانبساط اليد والذكر وانقباضهما ، وكذلك المعتوه والصبي ومتى علم أنه صحيح فهو على الصحة حتى يعلم غيرها .

( قال ) وفي الجفون إذا استؤصلت الدية وفي كل واحد منهما ربع الدية ; لأن ذلك من تمام خلقته وما يألم بقطعه وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعا الدية وفي ذهاب الشم الدية .

( قال الشافعي ) رحمه الله : وفي الشفتين الدية إذا استوعبتا وفي كل واحدة منهما نصف الدية وفي اللسان الدية وإن خرس ففيه الدية وإن ذهب بعض كلامه اعتبر عليه بحروف المعجم ثم كان ما ذهب من عدد الحروف بحسابه ، وإن قطع ربع اللسان فذهب بأقل من ربع الكلام فربع الدية وإن ذهب نصف الكلام فنصف الدية ، وفي لسان الصبي إذا حركه ببكاء أو بشيء يغير اللسان الدية وفي لسان الأخرس حكومة ، فإن قال : لم أكن أبكم فالقول قول الجاني مع يمينه فإن علم أنه ناطق فهو ناطق حتى يعلم خلاف ذلك .

( قال ) وفي السن خمس من الإبل إذا كان قد أثغر فإن لم يثغر انتظر به فإن لم تنبت تم عقلها وإن نبتت فلا عقل لها والضرس سن وإن سمي ضرسا كما أن الثنية سن وإن سميت ثنية وكما أن اسم الإبهام غير اسم الخنصر وكلاهما أصبع وعقل كل أصبع سواء ، فإن نبتت سن رجل قلعت بعد أخذه أرشها ، قال في موضع : يرد ما أخذ وقال في موضع آخر : لا يرد شيئا .

( قال المزني ) رحمه الله : هذا أقيس في معناه عندي ; لأنه لم ينتظر بسن الرجل كما انتظر بسن من لم يثغر هل تنبت أم لا ؟ فدل ذلك عندي من قوله : إن عقلها أو القود منها قد تم ، ولولا ذلك لانتظر كما انتظر بسن من لم يثغر ، وقياسا على قوله ولو قطع لسانه فأخذ أرشه ثم نبت صحيحا لم يرد شيئا ، ولو قطعه آخر [ ص: 352 ] ففيه الأرش تاما ومن أصل قوله أن الحكم على الأسماء .

( قال المزني ) وكذلك السن في القياس نبتت أو لم تنبت سواء إلا أن تكون في الصغير إذا نبتت لم يكن لها عقل أصلا فيترك له القياس .

( قال الشافعي ) رحمه الله : والأسنان العليا في عظم الرأس والسفلى في اللحيين ملتصقتين ففي اللحيين الدية وفي كل سن من أسنانها خمس من الإبل ، ولو ضربها فاسودت ففيها حكومة .

( وقال ) في كتاب عقولها تم عقلها .

( قال المزني ) رحمه الله : الحكومة أولى ; لأن منفعتها بالقطع والمضغ ورد الريق وسد موضعها قائمة كما لو اسود بياض العين لم يكن فيها إلا حكومة ; لأن منفعتها بالنظر قائمة .

( قال الشافعي ) رحمه الله : وفي اليدين الدية وفي الرجلين الدية وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل وفي كل أنملة ثلث عقل أصبع إلا أنملة الإبهام فإنها مفصلان ففي أنملة الإبهام نصف عقل الأصبع وأيها شل تم عقلها ، وإن قطعت من الذراع ففي الكف نصف الدية وفيما زاد حكومة وما زاد على القدم حكومة وفي قدم الأعرج ويد الأعسم إذا كانتا سالمتين الدية ، ولو خلقت لرجل كفان في ذراع إحداهما فوق الأخرى فكان يبطش بالسفلى ولا يبطش بالعليا فالسفلى هي الكف التي فيها القود والعليا زائدة وفيها حكومة وكذلك قدمان في ساق فإن استوتا فهما ناقصتان ، فإن قطعت إحداهما ففيها حكومة لا تجاوز نصف دية قدم وإن قطعتا معا ففيهما دية قدم ويجاوز بها دية قدم ، وإن قطعت إحداهما ففيها حكومة فإن عملت الأخرى لما انفردت ثم عاد فقطعها وهي سالمة يمشي عليها ففيها القصاص مع حكومة الأولى .

وفي الأليتين الدية وهما ما أشرف على الظهر من المأكمتين إلى ما أشرف على استواء الفخذين وسواء قطعتا من رجل أو امرأة وكل ما قلت فيهما الدية ففي إحداهما نصف الدية ، ولا تفضل يمنى على يسرى ولا عين أعور على عين ليس بأعور ولا يجوز أن يقال : فيها دية تامة وإنما { قضى النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية } ، وعين الأعور كيد الأقطع فإن كسر صلبه فلم يطق المشي ففيه الدية .

التالي السابق


الخدمات العلمية