الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب المهادنة على النظر للمسلمين ونقض ما لا يجوز من الصلح .

( قال الشافعي ) رحمه الله : إن نزلت بالمسلمين نازلة بقوة عدو عليهم - وأرجو أن لا ينزلها الله بهم - هادنهم الإمام على النظر للمسلمين إلى مدة يرجو إليها القوة عليهم لا تجاوز مدة أهل الحديبية التي هادنهم عليها عليه الصلاة والسلام وهي عشر سنين فإن أراد أن يهادن إلى غير مدة على أنه متى بدا له نقض الهدنة فجائز وإن كان قويا على العدو لم يهادنهم أكثر من أربعة أشهر ; لقوله تعالى لما قوي الإسلام { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } الآية وجعل النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان بعد فتح مكة بسنين أربعة أشهر لا أعلمه زاد أحد بعد قوة الإسلام عليها ولا يجوز أن يؤمن الرسول والمستأمن إلا بقدر ما يبلغان حاجتهما ولا يجوز أن يقيم بها سنة بغير جزية ولا يجوز أن يهادنهم على أن يعطيهم المسلمون شيئا بحال ; لأن القتل للمسلمين شهادة وأن الإسلام أعز من أن يعطى مشرك على أن يكف عن أهله ; لأن أهله قاتلين ومقتولين ظاهرون على الحق إلا في حال يخافون الاصطدام فيعطون من أموالهم أو يفتدي مأسورا فلا بأس ; لأن هذا موضع ضرورة .

وإن صالحهم الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم في النساء وقد أعطى المشركين فيهن ما أعطاهم في الرجال ولم يستثن فجاءته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة مهاجرة فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما وأخبر [ ص: 387 ] أن الله منع الصلح في النساء وحكم فيهن غير حكمه في الرجال وبهذا قلنا : لو أعطى الإمام قوما من المشركين الأمان على أسير في أيديهم من المسلمين أو مال ثم جاءوه لم يحل له إلا نزعه منهم بلا عوض وإن ذهب ذاهب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم رد أبا جندل بن سهيل إلى أبيه وعياش بن أبي ربيعة إلى أهله قيل له أهلوهم أشفق الناس عليهم وأحرصهم على سلامتهم ولعلهم يقونهم بأنفسهم مما يؤذيهم فضلا عن أن يكونوا متهمين على أن ينالوهم بتلف أو عذاب وإنما نقموا منهم دينهم فكانوا يشددون عليهم بترك دينهم كرها وقد وضع الله المأثم في إكراههم أولا ترى أن النساء إذا أريد بهن الفتنة ضعفن ولم يفهمن فهم الرجال وكان التقية تسعهن وكان فيهن أن يصيبهن أزواجهن وهن حرام عليهم قال : وإن جاءتنا امرأة مهادنة أو مسلمة من دار الحرب إلى موضع الإمام فجاء سوى زوجها في طلبها منع منها بلا عوض . وإن جاء زوجها ففيها قولان . أحدهما يعطى ما أنفق وهو ما دفع إليها من المهر .

والآخر لا يعطى وقال في آخر الجواب وأشبههما أن لا يعطوا عوضا .

( قال المزني ) هذا أشبه بالحق عندي وليس لأحد أن يعقد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل بأمره ; لأنه يلي الأموال كلها وعلى من بعده من الخلفاء إنفاذه ولا بأس أن يصالحهم على خرج على أراضيهم يكون في أموالهم مضمونا كالجزية ولا يجوز عشور ما زرعوا ; لأنه مجهول .

التالي السابق


الخدمات العلمية