الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الثاني

                                                                                                                                                                                                                              اختلاف الناس في عدد المغازي التي غزا فيها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة ، وفي كم قاتل فيها

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن سعد ، عن ابن إسحاق وابن عقبة وأبي معشر ، وعن شيخه محمد بن عمر الأسلمي ، عن جماعة سماهم قالوا : كان عدد مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي غزا فيها بنفسه سبعا وعشرين ، وقيل : تسع وعشرون ، وقيل : ست وعشرون ، ومن قال بذلك جعل غزوة خيبر ووادي القرى غزوة واحدة . وقيل : خمس وعشرون ، وزعم الحافظ عبد الغني المقدسي أنه المشهور ، وعزاه لابن إسحاق وابن عقبة وأبي معشر ، والذي رواه عنهم ابن سعد ما سبق ، وهو الصواب الذي جزم به أبو الفرج في «التلقيح» والدمياطي والعراقي وغيرهم . قال في المورد : وهذا الذي نقله المؤلف -أي الحافظ عبد الغني- عن هؤلاء الأئمة الثلاثة لم يقع لي من نقله عنهم غير المؤلف ، سرد أسماء الغزوات ، وهي غزوة الأبواء ، ويقال لها : ودان ، ثم غزوة بواط ، ثم غزوة سفوان ، وهي بدر الأولى لطلب كرز بن جابر ، ثم غزوة العشيرة ، ثم غزوة بدر الكبرى ، ثم غزوة بني سليم بالكدر ، ويقال لها : قرقرة الكدر ، ثم غزوة السويق ، ثم غزوة غطفان ، وهي غزوة ذي أمر ثم غزوة الفرع ، من بحران بالحجاز ، ثم غزوة بني قينقاع ، ثم غزوة أحد ، ثم غزوة حمراء الأسد ، ثم غزوة بني النضير ، ثم غزوة بدر الأخيرة ، وهي غزوة بدر الموعد ، ثم غزوة دومة الجندل ، ثم غزوة بني المصطلق وهي المريسيع ، ثم غزوة الخندق ، ثم غزوة بني قريظة ، ثم غزوة بني لحيان ، ثم غزوة الحديبية ، ثم غزوة ذي قرد ، ثم غزوة خيبر ، ثم غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب وبني ثعلبة ، ثم غزوة عمرة القضاء ، ثم غزوة فتح مكة ، ثم غزوة حنين ، ثم غزوة الطائف ، ثم غزوة تبوك ، وفي بعض ذلك تقديم وتأخير عند بعض المحدثين ، وسيأتي بيان ذلك مفصلا مع ضبطه .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن إسحاق ، وابن سعد ، وابن حزم ، وابن الأثير رحمهم الله : قاتل النبي صلى الله عليه وسلم في تسع غزوات : بدر ، وأحد ، والخندق ، وقريظة ، والمصطلق وهي المريسيع وخيبر والفتح وحنين والطائف ، ويقال : إنه صلى الله عليه وسلم قاتل أيضا في بني النضير ووادي القرى ، والغابة . وقال ابن عقبة :

                                                                                                                                                                                                                              قاتل في ثماني مواطن ، وأهمل عد قريظة؛ لأنه ضمها إلى الخندق لكونها كانت في إثرها ، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب ، وكذا وقع لغيره عد الطائف وحنينا واحدة؛ لكونها كانت في إثرها . [ ص: 9 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم عن بريدة بن الحصيب -رضي الله تعالى عنه- قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمان غزوات ، قال النووي : لعل بريدة أسقط غزوة الفتح ويكون مذهبه أنها فتحت صلحا -كما قال الشافعي وموافقوه- قلت : والتوجيه السابق أقعد . قال الحافظ أبو العباس الحراني رحمه الله في الرد على ابن المطهر الرافض : لا يفهم من قولهم أنه صلى الله عليه وسلم قاتل في كذا وكذا أنه قاتل بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله صلى الله عليه وسلم ، ولا يعلم أنه قاتل بنفسه في غزوة إلا في أحد فقط . قال : ولا يعلم أنه ضرب أحدا بيده إلا أبي بن خلف ، ضربه بحربة في يده . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : وعلى ما ذكره يكون المراد بقولهم : قاتل في كذا وكذا أنه صلى الله عليه وسلم وقع بينه وبين عدوه في هذه الغزوات قتال قاتلت فيها جيوشه بحضرته صلى الله عليه وسلم ، بخلاف بقية الغزوات ، فإنه لم يقع فيها قتال أصلا ، لكن نقل الحافظ في الفتح عن ابن عقبة أنه قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه في ثمان غزوات ، وراجعت نسخة صحيحة في مغازي ابن عقبة ، ونصه : ذكر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها ، قاتل في بدر إلى آخر ما ذكره ، ثم قال : وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة غزوة لم يكن فيها قتال . انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              ولم يذكر فيها أنه صلى الله عليه وسلم قاتل بنفسه ، فكأنها في بعض النسخ . وسيأتي في غزوة أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بقوسه حتى صارت شظايا ، وأنه أعطى ابنته فاطمة رضي الله عنها يوم أحد سيفه فقال : اغسلي دمه عنه ، وفي حديث . . . . «كنا إذا التقينا كتيبة أو جيشا ، أول من يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم» رواه . . . .

                                                                                                                                                                                                                              والغزوات الكبار الأمهات سبع : بدر ، وأحد ، والخندق ، وخيبر ، والفتح ، وحنين ، وتبوك .

                                                                                                                                                                                                                              وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن ، ففي بدر كثير من سورة الأنفال ، وفي أحد آخر آل عمران من قوله تعالى : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال [آل عمران : 121] إلى قبيل آخرها بيسير . وفي قصة الخندق وقريظة صدر سورة الأحزاب ، وفي بني النضير سورة الحشر . وفي قصة الحديبية وخيبر سورة الفتح ، وأشير فيها إلى الفتح ، وذكر الفتح في سورة النصر ، وتبوك في سورة "براءة" وجرح منها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد فقط ، وقاتلت معه الملائكة منها في بدر وحنين وأحد على خلاف في الثالثة يأتي تحقيقه في غزوتها . ونزلت الملائكة يوم الخندق فزلزلوا المشركين وهزموهم . ورمى بالحصباء في وجوه المشركين [ ص: 10 ] فهربوا ، فكان الفتح في غزوتين : بدر وحنين . وقاتل بالمنجنيق في غزوة واحدة وهي الطائف .

                                                                                                                                                                                                                              وتحصن بالخندق في واحدة وهي الأحزاب ، أشار به عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية