الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              ذكر ابتداء الحرب وتهييج القتال يوم بدر

                                                                                                                                                                                                                              ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صف أصحابه قبل أن تنزل قريش ، وطلعت قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه ويعدلهم ، كأنما يقوم بهم القدح ومعه يومئذ قدح ، يشير إلى هذا : تقدم ، وإلى هذا : تأخر ، حتى استووا ، ودفع رايته إلى مصعب بن عمير ، فتقدم حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضعها ، ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى الصفوف فاستقبل المغرب ، وجعل الشمس خلفه ، وأقبل المشركون فاستقبلوا الشمس ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعدوة الشامية ، ونزلوا بالعدوة اليمانية ، فجاء رجل فقال : يا رسول الله : إني أرى أن نعلو الوادي ، فإني أرى ريحا قد هاجت من أعلى الوادي ، وإني أراها بعثت بنصرك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قد صففت صفوفي ووضعت رايتي ، فلا أغير ذلك» ولما عدل [ ص: 34 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف تقدم سواد بن غزية أمام الصف فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطنه وقال : «استو يا سواد» قال : يا رسول الله أوجعتني والذي بعثك بالحق ، أقدني ، فكشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال : «استقد فاعتنقه وقبله» فقال : ما حملك على ما صنعت ، فقال : حضر من أمر الله ما قد ترى ، وخشيت أن أقتل فأردت أن أكون آخر عهدي بك ، وأن أعتنقك .

                                                                                                                                                                                                                              وخطب صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : «أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عز وجل عليه وأنهاكم عما نهاكم الله عز وجل عنه ، فإن الله عز وجل عظيم شأنه ، يأمر بالحق ، ويحب الصدق ، ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده ، به يذكرون ، وبه يتفاضلون ، وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق ، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغي به وجهه ، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله عز وجل به الهم ، وينجي به من الغم ، وتدركون به النجاة في الآخرة ، فيكم نبي الله يحذركم ويأمركم ، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله عز وجل على شيء من أمركم يمقتكم عليه ، فإن الله عز وجل يقول : لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم [غافر : 10] انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه ، وأراكم من آياته ، وأعزكم بعد الذلة ، فاستمسكوا به يرض به ربكم عنكم ، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرا ، تستوجبوا الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته ، فإن وعده حق ، وقوله صدق ، وعقابه شديد ، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم ، إليه ألجأنا ظهورنا وبه اعتصمنا ، وعليه توكلنا ، وإليه المصير ، يغفر الله لنا وللمسلمين» وتعبت قريش للقتال ، والشيطان لا يفارقهم .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن سعد : وكان معهم ثلاثة ألوية : لواء مع أبي عزيز بن عمير ، ولواء مع النضر بن الحارث ، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة ، وكلهم من عبد الدار ، وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق فقال : أعاهد الله لأشربن من حوضكم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه ، فلما خرج خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه ، وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض يريد بزعمه أن تبر يمينه -وفي لفظ : في جوف الحوض- فاتبعه حمزة حتى قتله دون الحوض ، حتى وقع فيه فهدمه برجله الصحيحة ، وشرب منه .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن سعد : وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين فثبت المسلمون على حقهم ، ولم يزولوا ، وشد عليهم عامر بن الحضرمي ، ونشبت الحرب ، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع -بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- ابن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب ، فقتله عامر بن الحضرمي .

                                                                                                                                                                                                                              وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة ، ويقال : قتله حبان بن عرقة -بفتح [ ص: 35 ] العين وكسر الراء ، ويقال : بفتحها ، فقاف مفتوحة- ويقال : عمير بن الحمام -بضم الحاء المهملة- قتله خالد بن الأعلم العقيلي ، بضم العين .

                                                                                                                                                                                                                              وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : «لا تقاتلوا حتى أوذنكم ، وإن كثبوكم فارموهم بالنبل ، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم واستبقوا نبلكم» .

                                                                                                                                                                                                                              فقال أبو بكر : يا رسول الله قد دنا القوم وقد نالوا منا ، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراه الله تعالى إياهم في منامه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه ، وكان ذلك تثبيتا لهم .


                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن إسحاق وابن المنذر عن حبان بن واسع ، عن أشياخ من قومه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ، ورجع إلى العريش ثم انتبه فقال : «أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر الله ، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النقع» .

                                                                                                                                                                                                                              وخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا فضل من الصف دعوا إلى المبارزة ، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار وهم : عوف ومعاذ ابنا الحارث -وأمهما عفراء- وعبد الله بن رواحة .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن عقبة وابن سعد وابن عائذ : ولما طلب القوم المبارزة وقام إليهم الثلاثة استحى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ لأنه أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد معهم ، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الشوكة لبني عمه وقومه فقالوا : من أنتم ؟ قالوا : رهط من الأنصار ، فقالوا : أكفاء كرام ، ما لنا بكم من حاجة ، ثم نادوا ، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ارجعوا إلى مصافكم وليقم إليهم بنو عمهم» .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن إسحاق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي -وكان علي معلما بصوفة بيضاء- فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إذ جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور الله» فلما قاموا ودنوا معهم قالوا : من أنتم ؟ تكلموا ، فقال عبيدة : أنا عبيدة ، وقال حمزة : أنا حمزة ، وقال علي : أنا علي .

                                                                                                                                                                                                                              قالوا : نعم ، أكفاء كرام ، فبارز عبيدة -وكان أسن القوم- عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد بن عتبة . فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين ، كلاهما أثبت صاحبه .

                                                                                                                                                                                                                              وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها ، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما ، فحازاه إلى أصحابه ، ولما جاءوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعوه إلى جانب موقف النبي صلى الله عليه وسلم ، فأفرشه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه الشريفة ، وقال عبيدة : يا رسول الله لو أن أبا طالب حي لعلم أني أحق بقوله :


                                                                                                                                                                                                                              كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ولما نطاعن حوله ونناضل [ ص: 36 ]     ونسلمه حتى نصرع حوله
                                                                                                                                                                                                                              ونذهل عن أبنائنا والحلائل



                                                                                                                                                                                                                              فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أشهد أنك شهيد» .

                                                                                                                                                                                                                              رواه الإمام الشافعي .

                                                                                                                                                                                                                              وعن قيس بن عباد -بضم العين وتخفيف الموحدة- فقال : سمعت أبا ذر يقسم قسما : أن هذه الآية هذان خصمان اختصموا في ربهم [الحج : 19] نزلت في الذين برزوا يوم بدر : حمزة ، وعلي ، وعبيدة بن الحارث ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة ، رواه الشيخان .

                                                                                                                                                                                                                              وعن علي رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة .

                                                                                                                                                                                                                              قال علي : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله عز وجل يوم القيامة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن علي رضي الله عنه قال : فينا نزلت هذه الآية هذان خصمان اختصموا في ربهم .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو العالية : ولما قتل هؤلاء ورجع هؤلاء قال أبو جهل وأصحابه : لنا العزى ولا عزى لكم ، نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الله مولانا ولا مولى لكم ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» . رواه ابن أبي حاتم ، وقلل الله تعالى المشركين في أعين المسلمين ، وقلل المسلمين في أعين المشركين ، حتى قال أبو جهل : إن محمدا وأصحابه أكلة جزور .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن عتبة : وعج المسلمون إلى الله تعالى بالدعاء حين رأوا القتال قد نشب .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية