الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولو قدر أن بعض الصحابة رأى وقوع الثلاث جملة بكل من تكلم بها، ورأى هذا شرعا عاما لازما، فقد نازعه في ذلك غيره، مع أن هذا بعيد، فإن الذين روي عنهم إيقاع الثلاث جملة روي عنهم نفي ذلك، كعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ، فحمل كلامهم على اختلاف حالين أولى من حمل كلامهم على التناقض، واعتقادهم فساد أحد القولين . وقد قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول .

فإن قيل: فإذا لم يكن الطلاق المحرم لازم الوقوع، فيلزم أن المطلقة في الحيض أيضا لا يجب أن يلزم فيها الوقوع. وحديث ابن عمر قد ثبت في الصحيحين أنه لما طلق امرأته في الحيض غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: "مره فيراجعها، حتى تحيض ثم تطهر، ثم تحيض ثم [ ص: 339 ] تطهر، ثم إن شاء بعد أمسكها، وإن شاء طلقها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء". وقد روي عن ابن عمر أنه قيل له: أتعتد بها؟ قال: أفرأيت إن عجز واستحمق. وقال: إن طلقتها ثلاثا عصيت ربك وبانت منك امرأتك.

قيل: أولا حديث ابن عمر قد روي فيه أنه حسبها من الثلاث، وروي أنه لم يحسبها، وكلا الإسنادين جيد. وقوله "راجعها" مثل قوله "ردها" ونحو ذلك، وهذه الألفاظ تستعمل في العقد المبتدأ، وتستعمل في إمساك المطلقة، وتستعمل في إمساك من لم يقع بها طلاق، قال تعالى: فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ، فهذا عقد جديد. وقال تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ، فهذا رجعة المطلقة. وقال: فردها علي.

وابن عمر رضي الله عنه إما أن يكون كان يعلم أن الطلاق في الحيض لا يجوز، بل يجب إذا طلق المرأة أن يطلقها لعدتها كما أمر الله بذلك; وإما أنه لم يكن يعلم هذا، فإن كان يعلمه وألزم بما أوقع فقد يكون من جنس إلزام عمر لهم بالثلاث، وإن لم يكن علم بالتحريم وألزم بها فهو دليل على أنها تلزم، فيحتاج الاستدلال بحديثه إلى مقدمتين:

إحداهما: أنه أمر بمراجعة هي مراجعة من وقع بها الطلاق.

والثانية: أن وقوع الطلقة لم يكن عقوبة عارضة على ذنب، بل [ ص: 340 ] هي شرع لازم لكل من طلق في الحيض.

وكلا المقدمتين تحتاج إلى دليل.

ثم قد يستدل على نقيض ذلك بأن علة تحريم الطلاق في الحيض هي إطالة العدة عليها عند كثير من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، وعلله آخرون من أصحاب أبي حنيفة وأحمد بأن الحيض زمن النفرة عن المرأة والزهد فيها، والطهر زمن الميل إليها والرغبة فيها. وبالجملة فلا بد لهذا الحكم من علة، وقد بحثوا عن الأوصاف الثابتة في محل الحكم، فلم يجدوا وصفا مناسبا إلا هذا أو هذا، والسبر مع المناسبة والاقتران من أقوى الطرق التي تثبت بها العلة.

وإذا كانت العلة ما ذكره الأولون، فإذا وقع الطلاق فإنما يؤمر به لإزالة تلك المفسدة، والأيمان كانت لا تزول، فلا فائدة في الأمر بالمراجعة.

التالي السابق


الخدمات العلمية