الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الوجه الثالث: أن مجرد كون الشيء يطعم غيره ولا يطعمه يوجب المدح، فهذه صفة كمال حيث كانت، وأما كون الشيء في نفسه لا يطعم ولا يأكل ولا يشرب، فهذا إنما يكون مدحا في حق الكامل المستغني عن الطعام والشراب لكماله، وأما من لا يطعم ولا [ ص: 119 ] يشرب لنقصه، كالجامدات وكالحيوان المريض، فهذا ليس ممدوحا بذلك، فلو قدر مريض موسر يطعم الناس، وهو في نفسه لا يطعم لمرضه، لم يمدح بأنه يطعم ولا يطعم، والناس إذا لم يطعموه لكونه لا يطعم لمرضه ونقصه لم يكن ممدوحا بأنهم لا يطعمونه، بخلاف ما إذا لم يطعم لغناه، فإنه يمدح بأنه يطعم ولا يطعم، وإن كان هو في نفسه يأكل ويشرب من ماله، مع أن المريض لا بد أن يطعم، وأما ما لا يطعم بمال لنقصه كالجامدات، فالأرض يخرج منها صنوف الثمرات، وهي لا تأكل لنقصها، فقد يقال: إنها تطعم ولا تطعم أي لا تأكل لنقصها، لكن هي محتاجة إلى السقي والشرب، وهذا حاجة منها إلى ما يقيها ويغذيها.

ولهذا قال تعالى: وهو يطعم ولا يطعم ، فوصفه بالإثبات المطلق والنفي العام، وصفه بأنه يطعم، وهذا مطلق يصلح أن يدخل فيه كل إطعام، كما إذا قيل: يخلق ويرزق ويعطي ويمنع، كما في الحديث الصحيح الإلهي : "يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم". وقال: وما بكم من نعمة فمن الله ، وقال: هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ، وقال الخليل: الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين . [ ص: 120 ]

وفي الحديث المأثور أنه يقال على الطعام : "الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة"، وأنه من قال ذلك غفر له. وفي الحديث الآخر : "الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم، من علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، ومن كل خير آوانا" . وقد قال تعالى: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف .

التالي السابق


الخدمات العلمية