الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مَسَائِلُ فِي الْإِجَارَةِ وَنَقْصِ بَعْضِ الْمَنْفَعَةِ وَالْجَوَائِحِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَائِحَةِ فِي الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَجَابَ عَنْهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ ابْنُ تَيْمِيَةَ الْحَرَّانَيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سُؤَالًا صُورَتُهُ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا، أَوْ يَضْمَنَ بُسْتَانًا، فَيَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنِ الْأَرْضِ وَالْبُسْتَانِ، أَمَّا مَاءُ الْمَطَرِ أَوِ النَّهْرِ فَيُفْسِدُ بَعْضَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ، فَهَلْ يُحَطُّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الضَّامِنِ مِنَ الْأُجْرَةِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَأْجَرَ طَاحُونًا يُدِيرُهَا الْمَاءُ فَيَنْقَطِعُ، وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتَأْجَرَ ظِئْرًا لِلْإِرْضَاعِ، فَيَنْقُصُ لَبَنُهَا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إِذَا أَصَابَ الْأَرْضَ الْجَرَادُ أَوِ الْفَأْرُ أَوِ النَّارُ، فَتَلِفَ الزَّرْعُ أَوِ الثَّمَرُ، هَلْ يُوضَعُ الْجَائِحَةُ فَيَضْمَنُ الْمُؤَجِّرُ مَا تَلِفَ بِالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ. وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الثَّمَرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ؟ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ. وَفِي الرَّجُلِ يَضْمَنُ بُسْتَانًا بِأَلْفٍ مَثَلًا، وَفِيهِ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مِنَ الْفَاكِهَةِ، فَيَتَعَطَّلُ بَعْضُ الْمَنَافِعِ، وَيَرْتَفِعُ سِعْرُ الْبَاقِي فَيَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ. وَكَذَلِكَ الطَّاحُونَةُ إِذَا كَانَتْ عِدَّةَ أَحْجَارٍ، فَيُعَطَّلُ الْبَعْضُ، وَزَادَ السِّعْرُ. وَكَذَلِكَ فِي الْحَانُوتِ وَغَيْرِهِ. أَفْتُونَا وَابْسُطُوا الْقَوْلَ مُثَابِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ. أَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَعَمْ يُحَطُّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ أَحْمَدُ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - عَنْ رَجُلٍ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا، وَانْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا قَبْلَ تَمَامِ الْوَقْتِ، قَالَ: يَحُطُّ عَنْهُ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، أَوْ بِقَدْرِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا صُورَتَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْقَطِعَ الْمَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهَا لِشَيْءٍ مِنَ الزَّرْعِ، فَهَذَا لَا أَعْلَمُ نِزَاعًا أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخَ هُنَا، وَفِيمَا إِذَا انْهَدَمَتِ الدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ. لَكِنْ هَلْ يَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِنَفْسِ الانْقِطَاعِ؟ أَوْ يُخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُحَطَّ عَنِ الْمُسْتَأْجِرِ بِقَدْرِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ، وَلَمْ يُعَلِّقْ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَسْقَطَ الْأُجْرَةَ مِنْ حِينِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ. وَهَذَا مَعْنَى الانْفِسَاخِ. وَالثَّانِي: يَثْبُتُ لَهُ الْفَسْخُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي صُورَةِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ، وَنَصَّ فِي صُورَةِ الْهَدْمِ عَلَى الانْفِسَاخِ. فَخَرَجَتِ الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَمَأْخَذُ مَنْ قَالَ: لَهُ الْفَسْخُ، أَنَّهُ قَالَ: الْمَنْفَعَةُ لَمْ تَتَعَطَّلْ، بَلْ يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِالْأَرْضِ فِي غَيْرِ الازْدِرَاعِ، فَأَمَّا إِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَعَطَّلَتْ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ بِالْعَقْدِ إِذَا كَانَتْ هِيَ الازْدِرَاعَ، لَمْ يَكُنِ الانْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مُسْتَحَقًّا بِالْعَقْدِ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى تَعَطَّلَتِ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالْعَقْدِ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ. مِثْلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ ظِئْرًا، فَيَمُوتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ; أَوْ يَسْتَأْجِرَ جِمَالًا أَوْ حَمِيرًا لِلرُّكُوبِ أَوِ الْحَمْلِ، فَيَمُوتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ; وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَتْلَفُ فِيهِ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ قَدْ تَسَلَّمَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ، وَإِنْ تَلَفِتْ عَقِبَ التَّسَلُّمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَلَفٌ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَكَذَلِكَ إِذَا تَلِفَ الْمَوْجُودُ بَعْدَ الْقَبْضِ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ، لَاسِيَّمَا مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُوضَعُ الْجَوَائِحُ فِي الثَّمَرِ الْمَبِيعِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ إِذَا تَلِفَ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ هُنَاكَ قَدْ تَلِفَ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْجِدَادِ وَالْحَصَادِ، كَذَلِكَ الْمَنَافِعُ هُنَا تَلِفَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بِالْبَيْعِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَقْوَى الرِّوَايَاتِ. وَلَوْلَا قَبْضُهُ لَهَا لَمَا جَازَ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَرْبَحَ فِيهَا عِنْدَهُمْ، مَعَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبْحِ فِيمَا لَمْ يُضْمَنْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِهِ. وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّوَابُ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ تَمْرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ". وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الثَّمَرَةَ التَّالِفَةَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَنَهَى الْبَائِعَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنَ الثَّمَنِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَكَلَ مَالًا بِالْبَاطِلِ، مَعَ أَنَّ الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهَا بِبَعْضِ الْوُجُوهِ، فَالْمَنَافِعُ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ وَلَا يُمْكِنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا أَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ، بَلْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ. وَلِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ يَقُولَانِ: الْمَنْفَعَةُ تُتْلِفُ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ، وَالثَّمَرَةُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. فَإِذَا كَانَ النَّصُّ قَدْ وَرَدَ فِي الثِّمَارِ بِأَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، فَلَأَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ أَوْلَى.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية