الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5889 [ ص: 158 ] ص: قال أبو جعفر : -رحمه الله-: فقال قائل: لما قال رسول الله -عليه السلام-: "لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمه ، وعليه غرمه" ، ثبت بذلك أن الرهن لا يضيع بالدين، فإن لصاحبه غنمه ، وهو سلامته، وعليه غرم الدين بعد ضياع الرهن".

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بهذا القائل: الشافعي، فإنه قال هذا القول، وفسر الغنم والغرم بما فسره. وبقوله قال أحمد وأبو ثور وابن المنذر، وإليه ذهب الزهري والأوزاعي وعطاء بن أبي رباح .

                                                قال ابن قدامة: الرهن إذا تلف بغير جناية من المرتهن ولا تفريط منه فلا ضمان عليه، وهو من مال الراهن، يروى ذلك عن علي - رضي الله عنه - وبه قال الشافعي .

                                                ويروى عن شريح والنخعي والحسن: أن الرهن يضمن بجميع الدين وإن كان أكثر من قيمته; لأنه روي عن النبي -عليه السلام- أنه قال: "الرهن بما فيه" وقال مالك: إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحرق فمن ضمان الراهن، وإن ادعى تلفه بأمر خفي لم يقبل قوله وضمن.

                                                وقال ابن حزم: وأما هلاك الرهن بغير فعل الراهن ولا المرتهن فللناس فيه خمسة أقوال:

                                                قالت طائفة: يترادان الفضل. تفسير ذلك: أن الرهن إن كانت قيمته وقيمة الدين سواء فقد سقط الدين عن الذي كان عليه، ولا ضمان عليه في الرهن، فإن كانت قيمة الرهن أكثر سقط الدين ومقداره من الرهن، وكلف المرتهن أن يؤدي إلى الراهن مقدار ما كان تزيده قيمة الرهن على قيمة الدين، وإن كانت قيمة الرهن أقل، سقط من الدين بمقداره، وأدى الراهن إلى المرتهن فضل ما زاد الدين على قيمة الرهن، وهو قول عبيد الله بن الحسن وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه .

                                                [ ص: 159 ] وقالت طائفة: ذهب الرهن بما فيه، سواء كان قيمة الدين أو أقل أو أكثر، إذا تلف سقط الدين، ولا يغرم أحدهما للآخر شيئا. صح هذا عن الحسن البصري وإبراهيم النخعي وشريح والشعبي والزهري وقتادة .

                                                وصح عن طاوس في الحيوان يرتهن. وروينا عن النخعي والشعبي: "فيمن ارتهن عبدا فاعور عنده قالا: ذهب بنصف دينه".

                                                وقالت طائفة: إن كان الرهن مما يخفى كالثياب ونحوها، فضمان ما تلف منها على المرتهن بالغة ما بلغت، ويبقى دينه بحسبه حتى يؤدى إليه بكماله.

                                                وإن كان الرهن مما يظهر كالعقار والحيوان فلا ضمان فيه على المرتهن، ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه، وهو قول مالك .

                                                وقالت طائفة: سواء كان مما يخفى أو مما لا يخفى لا ضمان فيه على المرتهن أصلا، ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه.

                                                وهو قول الشافعي وأبي ثور وأحمد بن حنبل وأبي سليمان، وأصحابهم.

                                                وقالت طائفة: إن كانت قيمة الرهن أكثر من قيمة الدين أو مثلها، فقد بطل الدين كله، ولا غرامة على المرتهن في زيادة قيمة الرهن على قيمة الدين، فإن كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين سقط من الدين مقدار قيمة الرهن، وأدى الراهن إلى المرتهن ما بقي من دينه.

                                                وهو قول إبراهيم النخعي وقتادة .

                                                وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -.




                                                الخدمات العلمية