الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                [ ص: 194 ] 5992 5993 5994 ص: ثم قد روى معمر هذا الحديث فخالف مالكا في متنه وإسناده:

                                                حدثنا أحمد بن داود ، قال: ثنا مسدد ، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: " قضى رسول الله -عليه السلام- في كل ما لم يقسم بالشفعة، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".

                                                حدثنا أحمد بن داود ، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، فذكر بإسناده مثله.

                                                ففي هذا الحديث نفي الشفعة بعد وقوع الحدود وصرف الطرق، فذلك دليل على ثبوتها قبل صرف الطرق وإن حدت الحدود، فقد وافق هذا الحديث حديث عبد الملك، عن عطاء، ، وزاد على ما روى مالك ، فهو أولى منه.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا جواب آخر، تقريره أن يقال: إن معمر بن راشد قد روى هذا الحديث، عن محمد بن مسلم الزهري، فخالف مالكا في متنه وإسناده، حيث قال في حديثه: "قضى رسول الله -عليه السلام- في كل ما لم يقسم بالشفعة، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".

                                                وأخرجه من طريقين:

                                                الأول: إسناده صحيح: عن أحمد بن داود المكي ، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود ، عن عبد الواحد بن زياد العنبري البصري ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن ، عن جابر .

                                                وأخرجه البخاري: عن محمد بن محبوب ، عن عبد الواحد بن زياد ، وهشام بن يوسف ، عن معمر ، عن الزهري .... إلى آخره نحوه.

                                                الثاني: عن أحمد بن داود أيضا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، فيه مقال، عن عبد الرزاق بن همام ، عن معمر ، عن الزهري .

                                                [ ص: 195 ] وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" .

                                                وهذا دليل على ثبوت الشفعة قبل صرف الطرق وإن حدت الحدود، فحينئذ يكون هذا الحديث موافقا لحديث عبد الملك ، عن عطاء، وفيه زيادة على ما رواه مالك، فيكون هو أولى منه.

                                                فإن قيل: قال ابن حزم: هذا لا حجة لهم فيه; لأنه ليس في هذا اللفظ نص ولا دليل على أن ذلك لا يكون إلا في الأرض والعقار والبناء; بل الحدود واقعة في كل ما يقسم من طعام وحيوان وثياب وعروض، وإلى كل ذلك طريق ضرورة، كما هو إلى البناء وإلى الحائط ولا فرق.

                                                قلت: هذا كلام مخبط; لأن أحدا لم يقل: إن الطعام له حدود أو الحيوان له حدود، أو الثوب له حدود، وكيف وقد روى أبو حنيفة ، عن عطاء ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا شفعة إلا في دار أو عقار".

                                                أخرجه البيهقي: من حديث أبي أسامة الحلبي ، عن الضحاك بن حجوة المنبجي ، عن عبد الله بن واقد ، عن أبي حنيفة به.




                                                الخدمات العلمية