الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4694 ص: واحتج في ذلك بما حدثنا أبو بشر الرقي ، قال: ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان لنا غلام قد شهد القادسية فأبلى فيها، كان بيني وبين أمي وبين أخي الأسود، فأرادوا عتقه، [ ص: 94 ] وكنت يومئذ صغيرا، فذكر ذلك الأسود لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: أعتقوا أنتم، فإذا بلغ عبد الرحمن، فإن رغب فيما رغبتم أعتق، وإلا ضمنكم".

                                                ففي هذا الحديث أن لعبد الرحمن بعد بلوغه أن يعتق نصيبه من العبد الذي قد كان دخله عتاق أمه وأخيه قبل ذلك.

                                                قال أبو حنيفة -رحمه الله-: فلما كان له أن يعتق بلا بدل كان له أن يأخذ العبد بأداء قيمة ما بقي له فيه حتى يعتق بأداء ذلك إليه.

                                                وكما كان للذي لم يعتق أن يعتق نصيبه من العبد، فضمن الشريك المعتق، رجع إلى هذا المضمن من هذا العبد مثل ما كان للذي ضمنه، فوجب له أن يستسعى العبد في قيمة ما كان لصاحبه فيه، وفيما كان لصاحبه أن يستسعيه فيه.

                                                فهذا مذهب أبي حنيفة في هذا الباب.

                                                والقول الأول الذي ذهب إليه أبو يوسف 5 ومحمد -رحمهما الله- أصح القولين عندنا; لموافقته لما رويناه عن رسول الله -عليه السلام-.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي احتج أبو حنيفة -رحمه الله- فيما ذهب إليه بما حدثنا أبو بشر عبد الملك بن مروان الرقي ، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم النخعي ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي .

                                                وفيه إشارة إلى ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "كان بيني وبين الأسود وبين أمنا غلام قد شهد القادسية، وأبلى فيها، فأرادوا عتقه، وكنت صغيرا، فذكر ذلك الأسود لعمر - رضي الله عنه - فقال عمر: أعتقوا أنتم، ويكون عبد الرحمن على نصيبه حتى يرغب في مثل ما رغبتم فيه، أو يأخذ نصيبه".

                                                وجه احتجاج أبي حنيفة: أن عمر - رضي الله عنه - أثبت لعبد الرحمن الإعتاق بعد بلوغه، بعد أن ثبت في العبد إعتاق، فدل على تجزئ الإعتاق.

                                                [ ص: 95 ] وبهذا سقط كلام ابن حزم: وأما قول أبي حنيفة ففي غاية الفساد; لأنه قول لم يتعلق بقرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية سقيمة، ولا بقول صاحب.

                                                ومما احتج به أبو حنيفة -رحمه الله-: ما رواه إسماعيل بن أمية ، عن أبيه، عن جده، قال: "كان لهم غلام يقال له: طهمان أو ذكوان، فأعتق جده نصفه، فجاء العبد إلى النبي -عليه السلام- فأخبره، فقال: "يعتق في عتقك، وترق في رقك" قال: وكان يخدم سيده حتى مات".

                                                أخرجه عبد الرزاق: عن عمر بن حوشب ، عن إسماعيل بن أمية .

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه": من طريق عبد الرزاق .

                                                فإن قيل: قال البيهقي: تفرد به عمر عن إسماعيل بن أمية بن عمرو الأشدق ، والأشدق لا صحبة له، وهو عمرو بن سعيد بن العاص .

                                                قلت: ذكره ابن حبان في التابعين، وكذا فعل ابن منده، وقال ابن الجوزي في "التحقيق": له صحبة.

                                                وأخرج أحمد هذا الحديث في "مسنده": في مسند عمرو بن سعيد .

                                                ومما احتج به أبو حنيفة ما رواه البيهقي في "سننه": من حديث الثوري عن الأشعث عن الحكم ، عن علي - رضي الله عنه - قال: "إذا كان لرجل عبد فأعتق نصفه لم يعتق منه إلا ما عتق".

                                                فإن قيل: قال البيهقي: هذا منقطع.

                                                قلت: قد روي عن علي - رضي الله عنه - من وجه آخر.

                                                [ ص: 96 ] فقال ابن أبي شيبة: ثنا حفص ، عن أشعث ، عن الحسن، قال: قال علي: "يعتق الرجل ما شاء من غلامه".

                                                وذكر صاحب "الاستذكار": أن هذا قول الحكم بن عتيبة ، وربيعة ، والحسن ، والشعبي ، وطاوس ، وحماد ، وعبيد الله بن الحسن، وأهل الظاهر.

                                                قوله: "والقول الأول ...." إلى آخره.

                                                والعجب من الطحاوي أنه أثبت ترجيح قول أبي يوسف ومحمد في هذا الباب على قول أبي حنيفة; لأنه موافق للآثار، وقول أبي حنيفة أيضا كذلك فإن أكثر الحنفية احتجوا لأبي حنيفة في ذلك بما رواه البخاري: بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله -عليه السلام- قال: "من أعتق شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه، وإلا فقد عتق منه ما عتق" وقد مر ذكره [....] .

                                                واحتجوا في ذلك بما رواه البخاري: بإسناده عن أبي هريرة أن النبي -عليه السلام- قال: "من أعتق نصيبا أو شقصا في مملوك فخلاصه عليه من ماله إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستسعي به غير مشقوق عليه" أي لا يستغلى عليه الثمن، فدل هذا أيضا على تجزئ الإعتاق؛ لأنه قال: "خلاصه عليه إن كان له مال" فلو لم يكن الإعتاق متجزئا لم يقل: "خلاصه عليه" لأنه خلص قبل، وأثبت السعاية أيضا، وهي دليل على التجزئ أيضا؛ لأن السعاية إنما تكون على العبد، فعلم أنه بقي منه ملك.

                                                فإن قلت: ذات الإعتاق لا يتجزأ; لأنه معنى واحد لا يقبل التجزئ.

                                                [ ص: 97 ] قلت: ليس المراد ذلك، بل المراد من تجزئ الإعتاق والملك أن يتجزأ المحل في قبول أحكام الإعتاق، وهو زوال الملك بأن يزول في البعض دون البعض، وأن يتجزأ المحل في قبول حكم الملك، وهو أن يكون البعض مملوكا لواحد، والبعض لآخر.

                                                فإن قلت: العتق والرق لا يتجزآن بالاتفاق، والإعتاق عن العتق؛ لأنه علته فلا يتجزأ الإعتاق أيضا؛ وهذا لأن ما لا يتجزأ إذا أضيف إلى المحل ثبت كله كالطلاق والعفو عن القصاص.

                                                ويؤيد ذلك ما رواه البخاري: عن ابن عمر ، عن النبي -عليه السلام- أنه قال: "من أعتق نصيبا له في مملوك، أو شركا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة عدل فهو عتيق".

                                                قلت: لا نسلم أن ما لا يتجزأ إذا أضيف إلى المحل يثبت كله، وفي الطلاق والعفو عن القصاص عدم التجزئ; لعدم الحالة المتوسطة، وفيما نحن فيه حالة متوسطة، وهو زوال بعض الملك فلم يلزم العتق، والمراد بالحديث: بعدما أدى حصص الشركاء، بدليل الحديثين المذكورين.




                                                الخدمات العلمية