الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فإن قال قائل: لما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن النفس قد يكون فيها شبه العمد، كان كذلك ما دون النفس، وذكر في ذلك الآثار التي رويناها عن رسول الله -عليه السلام- التي فيها: "ألا إن قتيل خطأ العمد -بالسوط والعصا والحجر- فيه مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها"فكان من حجتنا عليه في ذلك: أنه قد روي عن رسول الله -عليه السلام- ما قد روي عنه فيها، وقد روي عنه فيما دون النفس ما يخالف ذلك، وهو ما ذكرنا بإسناده في أول هذا الكتاب في خبر الربيع: "أنها لطمت جارية فكسرت ثنيتها، فاختصموا إلى رسول الله -عليه السلام- فأمر بالقصاص".

                                                وقد رأينا اللطمة إذا أتت على النفس لم يجب فيها قود، ورأيناها فيما دون النفس قد أوجبت القود، فثبت بذلك أن ما كان في النفس شبه عمد أنه فيما دون النفس عمد، على تصحيح هذه الآثار.

                                                وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بالقائل هذا: الشافعي -رحمه الله- حاصل هذا: أن القائلين بشبه العمد فيما دون النفس يحتجون بقوله -عليه السلام-: "ألا إن قتيل خطأ العمد .. الحديث" وقد مضى ذكره في الباب الذي قبله: عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب رسول الله -عليه السلام-.

                                                فقالوا: لما ثبت عنه أن النفس قد يكون فيها شبه العمد، كان كذلك ما دون النفس يكون فيها شبه العمد.

                                                [ ص: 329 ] وأجاب عن ذلك بقوله: "فكان من حجتنا عليه في ذلك: أن على هذا القائل فيما ذهب إليه أنه قد روي عن النبي -عليه السلام- الذي قد روي عنه في النفس، وكذلك روي عنه فيما دون النفس ما يخالف ما روي عنه في النفس، وهو ما مضى ذكره في خبر الربيع: "أنها لطمت جارية...." الحديث، فأمر النبي -عليه السلام- فيها بالقصاص، وقد رأينا الرجل إذا قتل آخر باللطمة لا يجب فيها القصاص، فثبت بذلك أن ما كان في النفس شبه عمد يكون عمدا فيما دون النفس وهي الأطراف.

                                                ونقول أيضا: إن الله تعالى قال: والجروح قصاص وقال: والسن بالسن ولم يفرق بين وقوعها بحديد أو غيره، والحديث إنما ورد في إثبات شبه العمد في القتل، وذلك اسم شرعي لا يجوز إثباته إلا من طريق التوقيف، ولم يرد فيما دون النفس توقيف في شبه العمد فيه; فثبت بذلك أن ما كان في النفس شبه عمد أنه يكون فيما دون النفس عمدا; ولأن قصد إتلاف النفس يختلف باختلاف الآلات، وما دون النفس لا يختص بآلة، فيبقى المعتبر تعمد الضرب، وقد وجد، فكان عمدا محضا، فننظر إن كان يمكن إيجاب القصاص يجب القصاص، وإن لم يكن يجب الأرش.




                                                الخدمات العلمية