الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4997 4998 ص: وقالوا: هذا الحديث الذي رويتموه يحتمل أن يكون النبي -عليه السلام- رأى أن ذلك القاتل يجب قتله لله إذ كان إنما قتل على مال، قد بين ذلك في بعض الحديث.

                                                حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، قال: ثنا إبراهيم بن سعد ، عن شعبة ، عن هشام بن زيد ، عن أنس بن مالك ، قال: "عدى يهودي في عهد رسول الله -عليه السلام- على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها، ورضخ رأسها، فأتى بها أهلها رسول الله -عليه السلام- وهي في آخر رمق، وقد أصمتت، ، فقال لها رسول الله -عليه السلام-: من قتلك، أفلان -لغير الذي قتلها-؟ فأشارت برأسها أن لا، فقال: فلان -لقاتلها-؟ فأشارت برأسها: أن نعم، فأمر به رسول الله -عليه السلام- فرض رأسه بين حجرين".

                                                فإن كان رسول الله -عليه السلام- جعل دم ذلك اليهودي قد وجب لله -عز وجل- كما يجب دم قاطع الطريق لله تعالى، فكان له أن يقتله كيف شاء بسيف أو بغير ذلك، والمثلة حينئذ مباحة كما فعل رسول الله -عليه السلام- بالعرنيين.

                                                [ ص: 247 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 247 ] ش: أي قال الآخرون: هذا الحديث يحتمل وجوها، فلا يتم بها استدلالهم لما ذهبوا إليه:

                                                الأول: أنه يحتمل أن يكون النبي -عليه السلام- رأى قتل هذا اليهودي حقا لله تعالى; وذلك لأنه إنما قتل تلك الجارية أو الصبي -على اختلاف الرواية- لأجل مالها كما بين ذلك في حديث آخر لأنس - رضي الله عنه - حيث قال: "فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها" فصار حكمه حكم قاطع الطريق; لأن سفك دمه يجب لله تعالى، فكان له أن يقتله كيف شاء بسيف وغيره، وكانت المثلة أيضا مباحة في ذلك الوقت، كما فعل ذلك بالعرنيين: "لما قتلوا راعي النبي -عليه السلام- واستاقوا إبله، فبعث وراءهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم حتى ماتوا" ولما نهى رسول الله -عليه السلام- عن المثلة بعد ذلك وانتسخ حكمها نسخ ذلك الحكم الذي حكم به في اليهودي بانتساخ المثلة، وهذا الذي ذكره الطحاوي -رحمه الله-.

                                                الثاني: يحتمل أن يكون النبي -عليه السلام- رأى ذلك واجبا لأولياء الجارية بقتله لهم، ولم يكن ذلك حقا لله تعالى.

                                                الثالث: يحتمل أن يكون -عليه السلام- قتله كما فعل; لأن الذي وجب عليه كان يقتضي ذلك بأن كان نقض العهد ولحق بدار الحرب لقرب محال اليهود من المدينة، فأخذه بعد ذلك فقتله على أنه حربي ناقض للعهد متهم بقتل الصبي; لأنه لا يجوز أن يكون بإيماء الصبية وإشارتها أنه قتلها; لأن ذلك لا يوجب قتل المدعى عليه القتل عند الجميع، فلا محالة قد كان هناك سبب آخر استحق به القتل لم ينقله الراوي على جهته.

                                                الرابع: أن يكون أولياؤها قد اختاروا الرضخ; لكون الواجب سفك دمه بأي ما شاءوا، ففعل رسول الله -عليه السلام- ما فعله لأجل ذلك.

                                                فإذا كان هذا الحديث محتملا هذه الوجوه; لم يكن الاستدلال به في أن يقتل [ ص: 248 ] القاتل بما قتل به صحيحا، والأحسن أن يقال: إنه منسوخ بنسخ المثلة; وذلك لأن النهي عن المثلة مستعمل عند الجميع، والقود على الوجه مختلف فيه، ومتى ورد عنه -عليه السلام- خبران واتفق الناس على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر; كان المتفق منهما قاضيا على المختلف فيه، خاصا كان أو عاما.

                                                ثم إنه أخرج الحديث المذكور بإسناد صحيح.

                                                وأخرجه البخاري: ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة ، عن هشام بن زيد ، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي -عليه السلام- وبها رمق، فقال: أقتلك فلان؟ فأشارت برأسها أن لا، ثم قال الثانية، فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة، فأشارت برأسها أن نعم، فقتله النبي -عليه السلام- بحجرين".

                                                وأخرجه مسلم: عن محمد بن مثنى ومحمد بن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر ، عن شعبة .... إلى آخره.

                                                وأخرجه أبو داود: عن عثمان بن أبي شيبة ، عن ابن إدريس ، عن شعبة ، عن هشام، به نحوه.

                                                وأخرجه النسائي: عن إسماعيل بن مسعود ، عن خالد ، عن شعبة نحوه.

                                                وأخرجه ابن ماجه: عن بندار ، عن غندر، وعن إسحاق بن منصور المروزي ، عن النضر بن شميل، جميعا، عن شعبة ، عن هشام نحوه.

                                                قوله: "فأخذ أوضاحا" الأوضاح: جمع وضح، وهو نوع من الحلي يعمل من الفضة، سميت بها لبياضها.

                                                [ ص: 249 ] قوله: "ورضخ رأسها" بالضاد والخاء المعجمتين، من الرضخ وهو الدق والكسر هاهنا، ويجيء بمعنى الشدخ أيضا، وبمعنى العطية.

                                                قوله: "في آخر رمق" الرمق: بقية الروح التي تتردد في الحلق.

                                                قوله: "وقد أصمتت" جملة حالية على صيغة المعلوم، يقال: صمت العليل وأصمت، فهو صامت، ومصمت إذا اعتقل لسانه.

                                                قوله: "أفلان" الهمزة فيه للاستفهام.

                                                قوله: "أن لا" أي ليس بفلان، و"أن" تفسيرية في الموضعين.

                                                قوله: "فرض رأسه" من الرض وهو الدق الجريش، وقد مر مرة.

                                                فإن قيل: كيف قتل رسول الله -عليه السلام- ذلك اليهودي بلا بينة ولا اعتراف؟

                                                قلت: قد قيل بأن هذا كان في ابتداء الإسلام، وكان يقتل القاتل بقول القتيل.

                                                وقوله: "كان يقتل فيه" وقال هذا المجيب: هذا معنى الحديث، وما جاء من اعتراف اليهودي فإنما جاء من رواية قتادة، ولم ينقله غيره، وهو مما عد عليه.

                                                قلت: وفيه نظر; فإن لفظة الاعتراف أخرجها البخاري في "صحيحه" وأبو داود والترمذي، وفي "صحيح مسلم": "فأخذ اليهودي فاعترف" وفي لفظ للبخاري "فلم يزل به حتى أقر".

                                                فإذا كان كذلك لا يرد السؤال المذكور; لأن القتل حينئذ يكون بالاعتراف.

                                                وقال الخطابي: أقل ما يؤخذ من هذا الحديث لفظة: "فاعترف فقتل" وفيها الشفاء والبيان أن النبي -عليه السلام- لم يقتل اليهودي بإيماء المدعي، أو بقوله، وقد شغب بعض الناس في هذا حين وجد أكثر الروايات خاليا عن هذه اللفظة، فقال: كيف يجوز أن يقتل أحد بقول المدعي أو بكلامه فضلا عن إيمائه برأسه؟! وأنكروا هذا الحديث، وهذه اللفظة لو لم تكن مروية في هذه القصة لم يكن ضرر; لأن من العلم الشائع المستفيض على لسان الأمة خاصتهم وعامتهم: أنه [ ص: 250 ] لا يستحق دم ولا مال إلا ببينة، وقد روي كثير من الحديث على الاختصار; اعتمادا على أفهام المخاطبين.

                                                قلت: يمكن أن يكون -عليه السلام- قتل بلا بينة ولا اعتراف لسبب موجب لقتله غير إيماء الصبية، قد ظهر عنده ذلك وثبت، كما ذكرناه عن قريب، أو نقول: كان -عليه السلام- قد علمه بالوحي فلذلك قتله.

                                                فإن قيل: اختلفت ألفاظ هذا الحديث، ففيما مضى في رواية: "رض رأسه بين حجرين" وفي أخرى لـ "مسلم": "فرضخ رأسه بين حجرين" وفي رواية أخرى لأبي داود عن أنس: "أن يهوديا قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة، فأخذ، فأتي به النبي -عليه السلام- فأمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات".

                                                قلت: لا اختلاف في ذلك في المعنى; لأن الرجم والرضخ والرض كله عبارة عن الضرب بالحجارة، لكن بين قتادة الموضع الذي ضرب عليه، ولم يبينه أبو قلابة، فيؤخذ بالبيان. والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية