الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5030 ص: وقالوا: ليس فيما احتج به علينا أهل المقالة الأولى من قوله -عليه السلام-: "ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه مائة من الإبل" دليل على ما قالوا; لأنه قد يجوز أن يكون النبي -عليه السلام- أراد بذلك العصا التي لا يقتل مثلها التي هي كالسوط الذي لا يقتل مثله. فإن كان أراد ذلك فهو الذي قلنا، وإن لم يكن أراد ذلك وأراد ما قلتم أنتم فقد تركنا الحديث وخالفناه، فنحن بعد لم نثبت خلافنا لهذا الحديث إذ كنا نقول: "إن من العصا ما إذا قتل به لم يجب على القاتل قود" . وهذا المعنى الذي حملنا عليه معنى هذا الحديث أولى مما حمله عليه أهل المقالة الأولى; لأن ما حملناه لا يضاد حديث أنس - رضي الله عنه - عن النبي -عليه السلام- في إيجابه القود على اليهودي الذي رضخ رأس الجارية بحجر، وما حمله عليه أهل المقالة الأولى يضاد ذلك وينفيه، فلأن يحمل الحديث على ما يوافق بعضه بعضا أولى من أن يحمل على ما يضاد بعضه بعضا.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قال أهل المقالة الثانية: حاصل هذا أنهم يقولون: إن قوله -عليه السلام-: "ألا إن قتيل خطأ العمد ...." الحديث لا يدل على ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى.

                                                بيانه: أن العصا المذكور في الحديث لا يخلو إما أن يراد به العصا التي لا يقتل مثلها كالسوط الذي لا يقتل مثله، أو لم يكن ذلك، فإن كان الأول فهو ما ذهب إليه; لأنا نقول: إذا كانت العصا مثلها لا يقتل فقتل بها ففيه الدية دون القصاص; لأنه شبه عمد.

                                                وإن كان الثاني الذي ذهبتم إليه، فقد نكون حينئذ تاركين للحديث المذكور ومخالفين إياه -على زعمكم- ولكن لا نقول بذلك، ولا نثبت الخلاف المذكور; لأنا نقول: إن من العصا ما إذا قتل به لم يجب على القاتل به قصاص، بل تجب دية، كما إذا كانت العصا لا يقتل مثلها.

                                                [ ص: 301 ] وحمل الحديث المذكور على هذا المعنى أولى مما حملتم عليه; لأن فيما ذهبتم إليه يقع التضاد بين هذا الحديث وحديث أنس بن مالك المذكور في الباب السابق الذي فيه إيجاب القود على ذاك اليهودي الذي رض رأس تلك الجارية بحجر.

                                                ووجه وقوع التعارض بين الحديثين ظاهر; لأن الحديث الذي فيه: "ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر" يخبر أن القتل بالحجر لا يوجب القصاص.

                                                وحديث أنس - رضي الله عنه - يخبر أنه يوجب القصاص، وبينهما منافاة، فإذا حملنا الحديث الأول على المعنى الذي ذهبنا إليه، يتفق حينئذ مع حديث أنس ولا يعارضه، فحمل الأحاديث التي يعارض بعضها بعضا على التوافق أولى من إبقائها على التعارض والتضاد. فهذا حاصل ما ذكره الطحاوي نصرة لأهل المقالة الثانية.

                                                ولقائل أن يقول: لا نسلم وقوع التعارض بين الحديثين حتى نحتاج إلى التوفيق; لأن حديث أنس - رضي الله عنه - يجوز أن يكون أمر النبي -عليه السلام- فيه بالقود لكون الحجر الذي قتل به اليهودي تلك الجارية مروة وهي التي لها حد، وهي التي تعمل عمل السكين، فلذلك أوجب -عليه السلام- قتله.

                                                وأيضا فقد روي في وجه آخر في حديث أنس - رضي الله عنه -: "أنه -عليه السلام- أمر اليهودي أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات" على ما مضى ذكره، ولا خلاف أن الرجم لا يجب على القود.

                                                ووجه آخر: وهو أن يقال: يجوز أن يكون اليهودي مستأمنا، فقتل الجارية ولحق بأرضه لقربه من المدينة، فأخذ وهو حربي، فقتله على أنه محارب حربي ورجمه، كما سمل أعين العرنيين الذين استاقوا إبله -عليه السلام- وقتلوا راعيه، وقطع أيديهم وأرجلهم حتى ماتوا، ثم نسخ القتل على وجه المثلة.

                                                ووجه آخر: وهو أن يقال: يجوز أن يكون قتل النبي -عليه السلام- اليهودي حقا لله تعالى، حيث جعله لقاطع الطريق الذي يكون الواجب عليه حدا من حدود الله [ ص: 302 ] تعالى، وإلى هذا أشار الطحاوي بقوله: فكان من حجة الذين قالوا: "إن القتل بالحجر لا يوجب القود...." إلى آخره على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.




                                                الخدمات العلمية