الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : ولو ادعاها لأبيه سمعت دعواه بشرطين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون أبوه ميتا ، فإن كان حيا لم تسمع .

                                                                                                                                            والثاني : أن يكون وارثا ، فإن لم يرثه ، لكونه قاتلا أو كافرا لم تسمع .

                                                                                                                                            فإذا استكملت الشرطين جاز أن يحلف على البت بالله إن هذه الدار لأبيه ، وعلى ملكه ، إلى أن مات عنها لا حق فيها لصاحب اليد ، ولو لم يقل : إلى أن مات عنها ، وإن كان ذلك أحوط ، لأنه إذا أثبت ملك أبيه بعد موته ، فقد أثبت ملكه إلى حين موته . فإذا حلف جرى عليها ملك أبيه ، وانتقلت إليه ميراثا ، وقضى منها ديونه ، ونفذ منها وصاياه .

                                                                                                                                            فإن قيل : أفلستم تقولون : إنه لا يملك أحد مالا بيمين غيره ؟ فلم قلتم : الأب مالك بيمين ابنه ؟

                                                                                                                                            قيل : لأن الابن قائم مقام الأب في استحقاق الملك ، فقام مقامه في إثباته باليمين ، كما يحلف الوكيل على ما ابتاعه لموكله ، ويحلف العبد على ما ابتاعه ، وإن [ ص: 124 ] كان الملك لغيره . فإن نكل هذا الابن عن يمين الرد ، وأجاب إليها أرباب الديون والوصايا - نظر : فإن اتسعت التركة لقضاء ديونهم ووصاياهم ، لم يجز أن يحلفوا . وإن ضاقت التركة عن ديونهم ووصاياهم ، ففي جواز إحلافهم عليها قولان مضيا . فإذا أحلفوا ثبت من ملك الميت بقدر الديون والوصايا ، وبقي ما زاد عليها على ملك المدعى عليه ، لا يملكه الورثة كما لو حلف بعض الورثة أثبت بيمينه حق نفسه ، ولم يثبت بها حق غيره من الورثة .

                                                                                                                                            وأما اليمين في الدين ، فعلى ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : لنفسه .

                                                                                                                                            والثاني : لأبيه .

                                                                                                                                            فإن كان الدين له كادعائه ألف درهم دينا له ، فهو على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يطلقها .

                                                                                                                                            والثاني : أن يذكر سببها .

                                                                                                                                            فإن أطلقها حلف يمينا على إثباتها ، ونفى ما يسقطها ، فيقول : والله إن لي عليه ألف درهم ما قبضتها ، ولا شيئا منها ، ولا قبضت لي ، ولا شيء منها ، ولا أحلت بها ، ولا بشيء منها ، ولا أبرأته منها ، ولا من شيء منها ، ولا وجب له علي ما يبرأ به منها أو من شيء منها ، لأنه قد يجني عليه أو يشتري منه بقدر دينه ، فيصير قصاصا في قول من يجعل الديون المتماثلة قصاصا .

                                                                                                                                            ثم يقول : وإنها لثابتة عليه إلى وقتي هذا ، فتكون يمينه إذا استوفيت بكمالها مشتملة على ثلاثة أشياء :

                                                                                                                                            أحدها : إثبات استحقاقها .

                                                                                                                                            والثاني : نفي سقوطها .

                                                                                                                                            والثالث : بقاؤها إلى وقت يمينه

                                                                                                                                            فأما إثباتها باليمين ، فمستحق .

                                                                                                                                            وأما بقاؤها إلى وقت اليمين فمستحب .

                                                                                                                                            وأما نفي إسقاطها ، ففيه وجهان محتملان :

                                                                                                                                            أحدهما : مستحق ، لأن ثبوتها لا يمنع من حدوث ما يسقطها .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : مستحب ، لأن إثباتها في الحال يمنع من سقوطها من قبل .

                                                                                                                                            [ ص: 125 ] وإن ذكر سبب استحقاقها أنه من قرض أو غصب أو قيمة متلف أو ثمن مبيع نظر : فإن كان السبب يسبب الاستحقاق في يمينه ، لأن لا يقيمها ، فيستحق بها ألفا أخرى ، وإن كان السبب خفيا لم يجب ذكره في اليمين ، وكان ذكره فيها احتياطا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية