الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما الفصل الرابع : في ثبوت الحكم بلحوق النسب بقول القافة ، فهو معتبر باستلحاق النسب ، واستلحاقه على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون لاشتراكهما في فراش .

                                                                                                                                            والثاني : إذا تداعيا لقيطا .

                                                                                                                                            فإن كان لاشتراكهما في فراش ، لم يصح إلحاقه بالقافة إلا بحكم الحاكم ، لأن الفراش قد أوجب لهما حقا ، وأوجب عليهما حقا في إلحاقه بأحدهما ، ونفيه عن الآخر ، وألحق لهما على الولد ، وألحق عليهما للولد ولذلك وجب إلحاقه بأحدهما ، وإن لم يتنازعا فيه ، ولم يجز أن يسلمه أحدهما إلى الآخر ، فكان أغلظ من اللعان الذي لا يصح إلا بحكم حاكم ، فكان هذا أولى أن لا يصح إلا بحكم حاكم ، لأن اللعان يختص بالنفي دون الإثبات ، والقيافة تجمع بين النفي والإثبات .

                                                                                                                                            وإن كان استحقاق الولد في ادعاء لقيط لم يعرف لهما فيه فراش مشترك ، فهو حق لهما وليس بحق عليهما في الظاهر ، لأنهما لو لم يتنازعا فيه ، لم يعترض لهما ، [ ص: 391 ] ولو سلمه أحدهما إلى الآخر صح وانتفى عمن سلمه ، ولحق من سلم إليه ، فلم يفتقر استلحاقه إلى حكم ، وجاز أن ينفرد باستعمال القافة فيه إن اختارا ، وجاز أن يتحاكما فيه إلى حاكم ، إن اختلفا ، فإن تنازعا فيه إلى حاكم ، وقف اختيار القائف على الحاكم دونهما ، وإن لم يتنازعا فيه إلى حاكم ، وقف اختيار القائف عليهما فإذا اتفقا على اختيار قائف كانا فيه بالخيار في تحكيمه ، أو استخباره ، على ما سنذكره من شرح التحكيم ، والاستخبار .

                                                                                                                                            فإن استخبره ، فأخبر كان موقوفا على إمضائهما والتزامهما .

                                                                                                                                            وإن حكماه فحكم كان في لزوم حكمه لهما قولان : وإن اختلفا في اختيار القائف ، إذا حلفا بعد الاتفاق عليه في تحكيمه ، أو استخباره لم يعمل على اختيار واحد منهما ، وتنازعا فيه إلى الحاكم ليحكم بينهما ، وإذا كان الحاكم هو الناظر بينهما في لحوق النسب ، إما في الفراش المشترك حتما واجبا ، وإما في اللقيط المدعى ، إما بالتراخي والاختيار ، وإما أن يطلبه أحدهما دون الآخر ، فيؤخذ الممتنع جبرا بالحكم ، وإنما يجوز للمتنازعين في اللقيط أن ينفردا بالقيافة إذا اتفقا على التراخي في تفردهما به ، دون الحاكم .

                                                                                                                                            فإذا أراد الحاكم الحكم بينهما ، اختار من القافة أوثقهم وأغلبهم ، واجتهد رأيه في تحكيم القائف ، أو استخباره فإن أداه اجتهاده إلى تحكيمه ، كان ذلك استخلافا له في الحكم بينهما ، فيراعي في استنابته شروط التقليد ، واختبر في العلم بشروط الإلحاق ، فإن قضى بها ، أعلمه بها .

                                                                                                                                            فأما المختص منها بفطنته فقوة حسه ، فهو مركوز في طبعه ، ويجوز أن يقتصر على قائف واحد ، لأنه حكم ، فجاز من القائف الواحد ، فإن جمع فيه بين قائفين احتياطا كان أوكد ، كما جمع في شقاق الزوجين بين الحكمين .

                                                                                                                                            ولا ينفذ الحكم في لحوقه بواحد منهما ، حتى يجتمعان عليه ، فإذا ألحقه القائف الواحد إذا أفرد أو القائفان إذا جمع بينهما بأحد المتنازعين فيه ، ونفاه عن الآخر لحقه ، وانتفى عن الآخر ، ولو ألحقه بأحدهما ، ولم ينفه عن الآخر ، لم يلحق به ، لجواز أن يرى اشتراكهما فيه ، ولو نفاه عن أحدهما ولم يلحقه بالآخر ، انتفى عمن نفاه عنه ، وصار الآخر منفردا بالدعوى فلحق به ، لانفراده بالفراش ، لا بالقائف .

                                                                                                                                            ولو تنازع في دعواه ثلاثة ، فألحقه بأحدهم ، ونفاه عن الآخرين ، أمضى حكمه في إلحاقه ونفيه ، ولو نفاه عن أحدهم ، خرج من الدعوى ، وصارت بين الآخرين ، ولو نفاه عن اثنين ، خرجا من الدعوى ، وصار لاحقا بالباقي ، لانفراده بالدعوى ، لا بقول القائف ، فإن لحق بأحدهم لإلحاق القائف به ، ونفيه عن غيره استقر حكمه في ثبوت [ ص: 392 ] نسبه ، ولزم الحاكم تنفيذ حكمه ، وإن نفاه القائف عن أحدهما استقر حكمه بالنفي ، ولم يستقر حكمه باللحوق ، حتى يحكم له الحاكم باللحوق ، بحكم الانفراد بالدعوى ، فإن رجع القائف بعد حكمه بذكر الغلط فيه ، لم يقبل رجوعه ، لأن نفوذ الحكم بالاجتهاد يمنع من نقضه باجتهاد .

                                                                                                                                            وإن رأى الحاكم اجتهاده إلى استخبار القائف دون تحكيمه ، أنكر القائف مخبرا ، والحاكم هو المنفرد بالحكم ، جاز ولزمه أن يجمع بين قائفين ، ولم يجز أن يقتصر على واحد منهما ، وإن كان خبر الواحد مقبولا ، لأن الحاكم لا يجوز أن يحكم بخبر الواحد ، وإنما يجوز أن يحكم بشهادة اثنين . كما لا يحكم في التقويم إلا بقبول مقومين ، فإذا أراد القائفان بعد اجتهادهما ، أن يذكرا للحاكم ، ما صح عندهما من لحوق الولد بأحدهما ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يكون خبرا يؤدى بلفظ الإخبار ، ولا تكون شهادة تؤدى بلفظ الشهادة ، لأن الشهادة تختص بفعل مشاهد ، وقول مسموع ، وليس في القيافة ، واحد منهما ، فكان خبرا ، ولم يكن شهادة ، فعلى هذا يجب على الحاكم أن يسألهما عن سبب علمهما ، ليجتهد رأيه فيهما إن ذكرا اشتراكهما في الشبه ، ولا يجب عليه سؤالهما إن كان مختصا بأحدهما ، دون الآخر ، لأن عليه في الاشتراك أن يجتهد رأيه في الترجيح ، فلزمه السؤال ، وليس عليه في اختصاص أحدهما بالترجيح بالشبه ، اجتهـاده في الترجيح ، فلم يلزمه السؤال ، ولكن عليه أن يسألهما أفي الشبه اشتراك ؟ حتى يسألهما عن سببه ، ويجتهد رأيه فيه ، أو ليس فيه اشتراك ؟ حتى لا يسألهما عنه ، ولا يجتهد رأيه فيه ، ويقتنع منهما أن يقولا هذا ولد هذا دون هذا .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن تكون شهادة تؤدى بلفظ الشهادة ، وإن لم تكن عن مشاهدة ، لأن الدال يشهد ، والحكم مختص بالشهادة دون الخبر .

                                                                                                                                            فعلى هذا لا يجب على الحاكم أن يسألهما عن سبب علمهما ، لأن الشاهد لا يسـأل عن سبب علمه بما شهد لكن إن كان الشبه مختصا بأحدهما ، جاز للقائفين أن يشهدا بأنه ولد هذا دون هذا ، وإن كان الشبه مشتركا يحتاجا إلى اجتهاد في ترجيح ففيما يشهدان به وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يشهدان بما أدى إليه اجتهادهما من لحوق نسبه بأحدهما .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : يشهدان بالشبه الموجب للحوق النسب بأحدهما ليجتهد الحاكم رأيه دونها ، وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا ، هل يسوغ للشهود أن يجتهدوا فيما يؤدوه إذا كان الاجتهاد فيه سماع ؟ .

                                                                                                                                            فإذا أدى القائفان إلى الحاكم ما عندهما من لحوق النسب بأحدهما خبرا على [ ص: 393 ] أحد الوجهين ، أو شهادة على الوجه الآخر لزم الحكم بقولهما في إلحاق النسب بمن ألحق ، ونفيه عمن نفوه ، وهو قبل حكم الحاكم ، غير لاحق بواحد منهما ، فإن رجع القائفان في قولهما ، وألحقوه بمن نفوه عنه لخطأ اعترفا به ، روعي رجوعهما ، فإن كان بعد حكم الحاكم بقولهما ، لم ينقص حكمه وأمضاه على ما حكم به ، وإن كان قبل حكمه بقولهما لم يكن نسبه للأول ، ولا للثاني .

                                                                                                                                            أما الأول : فلبطلان الشهادة ، بالرجوع عنها .

                                                                                                                                            وأما الثاني : فلتعارض القولين فيه .

                                                                                                                                            فإن أشكل على القائفين لحوق نسبه ، وبان ذلك لغيرهما عمل عليه ، وإن أشكل على غيرهما عدم النسب من جهة القافة ، ووجب أن يوقف النسب للشك ، حتى ينتسب الولد بطبعه إلى أحدهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من شأن الرحم إذا تماست تعاطفت " .

                                                                                                                                            وله في زمان انتسابه قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : وهو القديم إلى استكمال سبع ، وهي الحال التي يخير فيها بين أبويه .

                                                                                                                                            والقول الثاني : وهو الجديد الصحيح إلى بلوغه ، لأنه لا يمكن بقوله في لوازم الحقوق قبل البلوغ ، وإن قبل في الاختيار لأحد أبويه ، لأنه ليس من الحقوق ، فإذا انتسب إلى أحدهما لحق به ، ولا يعتبر فيه تصديق الأب ، فلو رجع وانتسب إلى الآخر لم يقبل رجوعه بعد لحوقه بالأول .

                                                                                                                                            ولو وجدت القافة بعد انتسابه إلى أحدهما ، لم يلحق به لاستقرار لحوقه بالانتساب إلى الأول .

                                                                                                                                            ولو مات الولد قبل انتسابه إلى أحدهما ، قامت ورثته ، مقامه في الانتساب ، إلى أحدهما ، ولو مات المتنازعان والولد باق جمع بينه وبين عصبتهما ، وكان له بعد الاجتماع معهم أن ينتسب إلى أحدهما ، فإن مات أحدهما وبقي الآخر نظر ، فإن كان التنازع في فراش مشترك انتسب إلى من اختار من الحي ، أو الميت ، وإن كان التنازع في لقيط ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : يكون كالفراش في انتسابه إلى أحدهما .

                                                                                                                                            والثاني : أنه يلحق بالباقي ، لانقطاع دعوى الميت .

                                                                                                                                            وقد روى زيد بن أرقم أن علي بن أبي طالب عليه السلام حين قلده رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء اليمن ، اختصم إليه ثلاثة في ولد امرأة ، وقعوا عليها ، في طهر واحد ؟ تنازعوا فيه ، فأقرع بينهم ، وألحقه بمن قرع منهم ، وأخبر به [ ص: 394 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه فقيل : إنه أقرع بينهم لإشكاله على القافة ، وقيل : إنما ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرعة : لأنه لا مدخل لها في لحوق النسب ، لوجود ما هو أقوى ، وهو انتساب الولد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية