الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ القول في شهادة الوارث بدين على المورث ] .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو ترك الميت ابنين ، فشهد أحدهما على أبيه بدين ، فإن كان عدلا ، حلف المدعي وأخذ الدين من الاثنين ، وإن لم يكن عدلا ، أخذ من يدي الشاهد بقدر ما كان يأخذه منه لو جازت شهادته ، لأن موجودا في شهادته أن له في يديه حقا ، وفي يدي الجاحد حقا ، فأعطيته من المقر ولم أعطه من المنكر " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وصورتها في رجل ادعى دينا على ميت ، وورثه ابنان له ، فصدقه أحدهما وكذبه الآخر ، فالمصدق مقر والمكذب منكر وللمقر حالتان :

                                                                                                                                            إحداهما : أن يكون عدلا ، فيجوز أن يشهد للمدعي بدينه في حق أخيه المنكر مع شاهد آخر ، أو مع يمين المدعي ، ولا يكون الإقرار شهادة حتى يستأنفها بلفظ الشهادة ، لأن لفظ الإقرار لا يكون شهادة ، وشهادته تكون على أبيه دون أخيه ، لوجوب الدين على الأب .

                                                                                                                                            ومنع الحسن بن زياد اللؤلؤي من قبول شهادته لما يتوجه إليه من التهمة في استدراك إقراره .

                                                                                                                                            ومذهب الشافعي وأبي حنيفة ، وجمهور الفقهاء أن شهادته مقبولة ، لأنها موافقة لإقراره فانتفت التهمة عنه ، فلم تمنع من الشهادة على أبيه وإن منع من الشهادة له ، فإذا صحت الشهادة استحق صاحب الدين جميع دينه من أصل التركة نصفه يستحقه بالإقرار في حق المصدق ، ونصفه يستحقه بالشهادة في حق المنكر .

                                                                                                                                            والحال الثانية : أن يكون المقر غير عدل ، أو يكون عدلا لم تكمل به الشهادة [ ص: 216 ] لعدم غيره ، أو لأن الحاكم لا يرى الحكم باليمين والشاهد ، أو يراه فلا يحلف معه المدعي ، فالحكم في هذه الأحوال الثلاثة على سواء .

                                                                                                                                            ومذهب الشافعي المنصوص عليه في جميع كتبه ، وهو قول أهل الحجاز ، أنه يأخذ من المقر من الدين بقدر حقه ، وهو النصف ، ويحلف المنكر على النصف الآخر ويبرأ ، ويمينه على العلم دون البت . ويقول : والله لا أعلم أن له على أبي ما ادعاه أو شيئا منه .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة وأكثر أهل العراق : يلزم المقر جميع الدين .

                                                                                                                                            وكان أبو عبيد بن حرثون وأبو جعفر الإستراباذي وهما من متأخري أصحاب الشافعي : يخرجان هذا قولا ثانيا للشافعي ، فخالفهما من أصحاب الشافعي أكثرهم ، ووافقهما أقلهم ، وجعلوه تخريجا من مقتضى نص ، وليس بتخريج من نص ، وهو أن الشافعي يقول : إذا حلف أحد الابنين في القسامة ، فاستحق بأيمانه نصف الدية ، وكان على المقتول دين ، قضى جميعه من حصة الابن الحالف ، كذلك في هذه المسألة ، فخرجوها لأجل ذلك على قولين :

                                                                                                                                            واختلف من أنكر تخريج هذا القول في ما قاله في القسامة على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه محمول على أن الذي استحقه أحد الابنين بأيمانه ، كان جميع التركة ، فأخذ جميع الدين منه ، ولو ترك الميت غيره ما لزمه من الدين إلا نصفه .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنه محمول على أن أخاه معترف بالدين ، فاستحق باعترافهما جميع الدين ، وعجل قضاؤه من الذمة لتأخير غيره ليرجع على أخيه بقدر حقه ، ولو كان الأخ منكرا لم يؤخذ من المقر إلا قدر حقه .

                                                                                                                                            واستدل أبو حنيفة ومن وافقه على وجوب الدين كله على المقر بقوله تعالى :

                                                                                                                                            من بعد وصية يوصي بها أو دين [ النساء : 12 ] .

                                                                                                                                            فجعل للوارث ما فضل عن الدين والوصية ، فوجب أن لا يرث إلا بعد قضاء جميعه ، لأن صاحب الدين مقدم وليس بمشارك .

                                                                                                                                            ولأن ما يأخذه المنكر من التركة كالمغصوب في حق الدين ، وغصب بعض التركة موجب لقضاء الدين من باقيها ، فلزم أخذ جميعه منه .

                                                                                                                                            والدليل على أن على المقر منهما نصف الدين دون جميعه ، هو أن الدين مستحق [ ص: 217 ] في جميع التركة غير معين في بعضها ، وليس مع المقر إلا نصفها ، فلم يلزمه من الدين إلا نصفه كالمقرين .

                                                                                                                                            ولو أنه لو لزم المقر جميع الدين ، لم تقبل شهادته على أخيه ، لأنه يدفع بها عن نفسه تحمل جميع الدين وفي موافقة أبي حنيفة على قبول شهادته ، وإن خالفه الحسن بن زياد اللؤلؤي في قبولها ، دليل على أنه لا يلزمه في الدين إلا قدر حقه لتسلم شهادته عن جر نفع ودفع ضرر .

                                                                                                                                            ولأن أحد الابنين لو ادعى دينا لأبيه على منكر ، فرد اليمين عليه وحلف ، لم يستحق من الدين إلا نصفه ، وكذلك إذا أقر بدين على أبيه لم يلزمه إلا نصفه ، لأن ما للأب من الدين في مقابلة ما عليه من الدين .

                                                                                                                                            والأصح من إطلاقها عندي ، أن ينظر في التركة . فإن لم يقتسم لها الابنان حتى أقر أحدهما بالدين ، قضى جميعه منها ، فكان محسوبا من حق المقر دون المنكر .

                                                                                                                                            وإن اقتسم الابنان التركة ، ثم أقر أحدهما بالدين . لم يلزمه منه إلا نصفه لأن المقر معترف باستحقاق جميع الدين في جميع التركة .

                                                                                                                                            فصار قبل القسمة مقرا بجمعه وبعد أخذ النصف بالقسمة مقرا بنصفه . والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية