الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 5943 ) فصل : فإن قال : إن دخل الدار رجل فعبد من عبيدي حر ، وإن دخلها طويل فعبدان حران ، وإن دخلها أسود فثلاثة أعبد أحرار ، وإن دخلها فقيه فأربعة أعبد أحرار . فدخلها فقيه طويل أسود ، عتق من عبيده عشرة . وإن كان له أربع نسوة ، فقال : إن طلقت امرأة منكن فعبد من عبيدي حر ، وإن طلقت اثنتين فعبدان حران ، وإن طلقت ثلاثة ، فثلاثة أعبد أحرار ، وإن طلقت أربعا ، فأربعة أعبد أحرار ، ثم طلق الأربع مجتمعات أو متفرقات عتق من عبيده عشرة ; بالواحدة واحد ، وبالاثنتين اثنان ، وبالثلاث ثلاثة ، وبالأربع أربعة ; لاجتماع هذه الصفات الأربع فيهن . ولو علق ذلك بلفظة " كلما " ، فقد قيل : يعتق عشرة أيضا .

                                                                                                                                            والصحيح أنه يعتق خمسة عشر عبدا ; لأن فيهن أربع صفات ، هن أربع ، فيعتق أربعة ، وهن أربعة آحاد ، فيعتق بذلك أربعة ، وهن اثنتان واثنتان ، فيعتق بذلك أربعة ، وفيهن ثلاث ، فيعتق بهن ثلاثة . وإن شئت قلت : يعتق بالواحدة واحد ، وبالثانية ثلاثة ; لأن فيها صفتين هي واحدة ، وهي مع الأولى اثنتان ، ويعتق بالثالثة أربعة ; لأنها واحدة ، وهي مع الأولى والثانية ثلاث ، ويعتق بالرابعة سبعة ; لأن فيها ثلاث صفات ، هي واحدة ، وهي مع الثالثة اثنتان ، وهي مع الثلاث التي قبلها أربع . وهذا أولى من الأول ; لأن قائله لا يعتبر صفة طلاق الواحدة في غير الأولى ، ولا صفة التثنية في الثالثة والرابعة ، ولفظ " كلما " يقتضي التكرار ، فيجب تكرار الطلاق بتكرار الصفات . وقيل : يعتق سبعة عشر ; لأن صفة التثنية قد وجدت ثلاث مرات ، فإنها توجد بضم الثانية إلى الثالثة . وقيل : يعتق عشرون .

                                                                                                                                            وهو قول أبي حنيفة ; لأن صفة الثلاث وجدت مرة ثانية بضم الثانية والثالثة إلى الرابعة ، وكلا القولين غير سديد ; لأنهما عدوا الثانية مع الأولى في صفة التثنية مرة ، ثم عدوها مع الثالثة مرة أخرى ، وعدوا الثانية والثالثة في صفة التثليث مرتين ، مرة مع الأولى ، ومرة مع الرابعة ، وما عد في صفة مرة ، لا يجوز عده في تلك الصفة مرة أخرى . ولذلك [ ص: 339 ] لو قال : كلما أكلت نصف رمانة فأنت طالق . فأكلت رمانة ، لم تطلق إلا اثنتين ; لأن الرمانة نصفان . ولا يقال : إنها تطلق ثالثة ، بأن يضم الربع الثاني إلى الربع الثالث فيصيران نصفا ثالثا ، وكذلك في مسألتنا ، لم تضم الأولى إلى الرابعة ، فيصيران اثنتين .

                                                                                                                                            وعلى سياق هذا القول ، ينبغي أن يعتق اثنان وثلاثون ; واحد بطلاق واحدة ، وثلاثة بطلاق الثانية ، وثمانية بطلاق الثالثة ; لأنها واحدة وهي مع ما قبلها ثلاثة ، وهي مع ضمها إلى الأولى اثنتان ، ومع ضمها إلى الثانية اثنتان ، ففيها صفة التثنية مرتان ، ويعتق بطلاق الرابعة عشرون ; لأن فيها ثماني صفات ، هي واحدة ، وهي مع ما قبلها أربع ، وفيها صفة التثليث ثلاث مرات ، هي مع الأولى والثانية ثلاث ، ومع الثانية والثالثة ثلاث ، ومع الأولى والثالثة ثلاث ، فيعتق بذلك تسعة ، وفيها صفة التثنية ثلاث مرات ، هي مع الأولى اثنتان ، وهي مع الثانية اثنتان ، وهي مع الثالثة اثنتان ، فيعتق بذلك ستة ، ويصير الجميع اثنين وثلاثين ، وما نعلم بهذا قائلا .

                                                                                                                                            وهذا مع الإطلاق . فأما إن نوى بلفظه غير ما يقتضيه الإطلاق ، مثل أن ينوي بقوله : اثنتين . غير الواحدة ، فيمينه على ما نواه ، ومتى لم يعين العبيد المعتقين ، أخرجوا بالقرعة . ولو قال : كلما أعتقت عبدا من عبيدي فامرأة من نسائي طالق ، وكلما أعتقت اثنين فامرأتان طالقتان . ثم أعتق اثنين ، طلق الأربع ، على القول الصحيح ، وعلى القول الأول ، يطلق ثلاث ، ويخرجن بالقرعة . ولو قال : كلما أعتقت عبدا من عبيدي فجارية من جواري حرة ، وكلما أعتقت اثنين فجاريتان حرتان ، وكلما أعتقت ثلاثة فثلاث أحرار ، وكلما أعتقت أربعة فأربع أحرار ، ثم أعتق أربعة ، عتق من جواريه بعدد ما طلق من النساء على ما ذكرنا . وإن أعتق خمسا فعلى القول الأول ، يعتق من جواريه هاهنا خمس عشرة . وعلى القول الثاني ، يعتق إحدى وعشرون ; لأن عتق الخامس عتق به ست ، لكونه واحدا ، وهو مع ما قبله خمسة ، ولم يمكن عده في سائر الصفات ، لأن ما قبله قد عد في ذلك مرة ، فلا يعد ثانية .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية