الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                            [ ص: 439 ] كتاب قطع السرقة

                                                                                                                            بفتح السين وكسر الراء ، ويجوز إسكانها مع فتح السين وكسرها ، وهي لغة أخذ الشيء خفية ، وشرعا : أخذ مال خفية من حرز مثله بشرائط تأتي .

                                                                                                                            والأصل في القطع بها قبل الإجماع قوله تعالى { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } وغيره مما يأتي .

                                                                                                                            لا يقال : لو حذف قطع كما حذف حد من كتاب الزنى لكان أعم ليتناول أحكام نفس السرقة ؛ لأنا نقول : لما كان القطع هو المقصود بالذات وما عداه هنا بطريق التبع له فذكره لذلك ، ولا يعارضه صنيعه في كتاب الزنى ؛ لأنهما صيغتان لكل ملحظ وأركان السرقة الموجبة للقطع  سرقة كذا وقع في عبارتهم وهو صحيح ، إذ المراد بالسرقة الثانية مطلق الأخذ خفية وبالأولى الأخذ خفية من حرز ، وسارق ومسروق ، ولطول الكلام فيه بدأ به فقال ( يشترط لوجوبه في المسروق ) أمور ( كونه ربع دينار )  أي مثقال ذهب مضروبا كما في الخبر المتفق عليه ، وشذ من قطع بأقل منه ، وأما خبر { لعن الله السارق يسرق البيضة أو الحبل فتقطع يده } [ ص: 440 ] فمحمول على بيضة الحديد ، وحبل يساوي نصابا أو الجنس ، أو أن من شأن السرقة تدرج صاحبها من القليل إلى الكثير حتى تقطع يده ( خالصا ) وإن تحصل من مغشوش ، بخلاف الربع المغشوش ؛ لأنه ليس ربع دينار حقيقة ( أو قيمته ) أي مقوما به ، فإن لم يعرف قيمته بالدنانير قوم بالدراهم ثم هي بالدنانير ، فإن لم يكن بمحل السرقة دنانير انتقل لأقرب محل إليها فيه ذلك كما هو قياس نظائره ، ويقطع بربع دينار قراضة ( ولو ) ( سرق ربعا ) ذهبا ( سبيكة )  فاندفع القول بأن سبيكة مؤنث فلا يصح كونه نعتا لربع أو حليا ( لا يساوي ربعا مضروبا فلا قطع ) به ( في الأصح ) نظرا إلى القيمة فيما هو كالسلعة ، والثاني ينظر إلى الوزن ، ولو سرق خاتما وزنه دون ربع وقيمته بالصنعة ربع  فلا قطع نظرا إلى الوزن .

                                                                                                                            والحاصل أن الذهب يعتبر فيه أمران الوزن وبلوغ قيمته ربع دينار مضروب وغيره يعتبر فيه القيمة فقط فقول الشارح والتقويم يعتبر بالمضروب ، فلو سرق شيئا يساوي ربع مثقال من غير المضروب كالسبيكة والحلي ولا يبلغ ربعا مضروبا  فلا قطع به لا يخالفه ما قررناه .

                                                                                                                            نعم قوله من غير المضروب متعلق بيساوي ، ولو اختلفت قيمة نقدين خالصين اعتبر أدناهما لوجود الاسم على أحد وجهين ، ويفرق بينه وبين ما مر فيما لو نقص النصاب في ميزان وتم في آخر بأن الوزن أمر حسي والتقويم أمر اجتهادي واختلاف الحسي أقوى فأثر دون اختلاف الاجتهادي ، لكن الأوجه تقويمه بالأعلى درءا للقطع وعليه فلا قطع ، ولا بد من قطع المقوم وإن كان مستند شهادته الظن ، وبه فارق شاهدي القتل فإن مستند شهادتهما المعاينة فلم يحتج للقطع منهما وإن استوى البابان في أن الشهادة في كل إنما تفيد الظن لا القطع ، فاندفع ما للبلقيني هنا ، وأن لا يتعارض بينتان وإلا أخذ بالأقل ( ولو سرق دنانير ظنها فلوسا   ) مثلا ( لا تساوي ربعا قطع ) لوجود سرقة الربع [ ص: 441 ] مع قصد السرقة ولا أثر للظن ، ولهذا لو سرق فلوسا لا تساوي ربعا لم يقطع وإن ظنها دنانير  ، وكذا ما ظنه له ؛ لأنه لم يقصد أصل السرقة ( وكذا ثوب رث ) بالمثلثة ( في جيبه تمام ربع جهله في الأصح ) لما مر ، وكونه هنا جهل جنس المسروق لا يؤثر لما تقرر أنه قصد أصل السرقة فلم يفترق الحال بين الجهل بالجنس هنا وبالصفة ، والثاني ينظر إلى جهله المذكور .

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية