الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1428 [ 709 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [ ص: 429 ] فعالجه وأقام عليه حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تألى أن لا يفعل خيرا فسمع بذلك رب المال فأتى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله هو له .

التالي السابق


الشرح

حديث جابر من رواية سليمان بن عتيق أخرجه مسلم مفصلا، فروى النهي عن بيع السنين عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان كما قدمنا ، وروى وضع الجوائح عن بشر بن الحكم وعمرو الناقد عن سفيان ، وقد سبق مرة رواية الشافعي النهي عن بيع السنين كما رواه ها هنا من غير ذكر وضع الجوائح ، ورواه أيضا عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرد به النهي عن بيع السنين وحده، بل أراد معه الأمر بوضع الجوائح بظاهر قوله: مثله، وقد روى علي بن عبد الله المديني أن سفيان حدثهم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بوضع الجوائح، وفي صحيح مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب، وعن الحسن الحلواني عن أبي عاصم، بروايتهما عن أبي الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن بعت من أخيك تمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق، ويروى: لا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئا، والمراد من الجوائح: الآفات التي تصيب الثمار فتهلكها، ويقال: جاحهم الدهر يجوحهم [ ص: 430 ] واجتاحهم إذا أصابهم بمكروه، وأصابه ما اجتاح ماله أي: استأصلهم.

ومن باع الثمار على رءوس الأشجار وأصابتها جائحة من برد أو برد أو جراد قبل التخلية بينها وبين المشتري، فهي من ضمان البائع بلا خلاف، وإن أصابتها الجائحة بعد التخلية ففيه اختلاف العلماء: قال أكثرهم وفيهم أبو حنيفة: هي من ضمان المشتري، وبه قال الشافعي في الجديدة لأن التخلية فيها قبض، والمبيع قبل القبض في ضمان المشتري.

وقال آخرون منهم أحمد: هي من ضمان البائع وعليه أن يضع ثمن ما اجتيح، لقوله "وأمر بوضع الجوائح" وبهذا قال الشافعي في القديم.

وتوسط مالك بين القولين فقال: إن كانت الجائحة قدر الثلث فصاعدا أوجب وضعها، وإن كانت دون الثلث لم يجب.

وقول الشافعي: "سمعت سفيان يحدث هذا الحديث كثيرا في طول مجالستي له ..." إلى آخره أراد به أن سفيان وهن أمر وضع الجوائح; لأنه قال: كان حميد يذكر شيئا قبل وضع الجوائح لم أحفظه، وامتنع لذلك من [رواية] وضع الجوائح مدة، فيحتمل أن ذلك الذي لم يحفظه هو التصريح بالاستحباب والندب إلى الوضع من طريق البر والمعروف، وأيد كلامه في الجديد بشيئين:

أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمرة حتى تنجو من العاهة وقال: أرأيت إذا منع الله الثمرة، فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ على ما تقدم، فلو كان يلزم البائع أن يضع ثمن ما أصابته الجائحة لم يكن على المشتري ضرر في بيعها قبل أن تنجو من العاهة ضرر ولم يكن للمنع من البيع معنى [ ص: 431 ] .

والثاني: قال: إن ثبت حديث عمرة -فإنه مرسل ونحن لا نحتج بالمراسيل- ففيه دلالة على أن الجائحة لا توضع; لأنه قال: "تألى أن لا يفعل خيرا" ولو كانت الجائحة من ضمان البائع لأشبه أن يقول: يلزمه الوضع حلف أو لم يحلف.

ومعنى "تألى": حلف، والألية: اليمين.

وقد روي حديث عمرة موصولا عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا أحسن، لكنه ليس في حديث عمرة تعرض للجائحة.

واحتج أيضا للقول الجديد بما رواه مسلم عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تصدقوا عليه، فتصدقوا عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك .

وقد يحمل ذلك "وأمر بوضع الجوائح" على الاستحباب بهذه الأدلة من غير التعرض لكلام حميد وامتناع سفيان من الرواية، لكن هذا لا يتوجه فيما قدمنا من رواية أبي الزبير عن جابر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا. ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أصابت [ ص: 432 ] الجائحة قبل التخلية أو كان البيع قبل بدو الصلاح.




الخدمات العلمية