ومن أبوابه: سوء الظن بالمسلمين قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم فمن يحكم بشر على غيره بالظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرا منه ، وكل ذلك من المهلكات ولأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم ، فقال صلى الله عليه وسلم - : اتقوا مواضع التهم حتى احترز هو - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، روي عن علي بن حسين أن صفية بنت حيي بن أخطب أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا في المسجد ، قالت فأتيته فتحدثت عنده فلما أمسيت انصرفت فقام يمشي معي، فمر به رجلان من الأنصار ، فسلما ثم انصرفا ، فناداهما، وقال إنها صفية بنت حيي ، فقالا: يا رسول الله ، لا نظن بك إلا خيرا ، قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من الجسد ، وإني خشيت أن يدخل عليكما فانظر كيف أشفق صلى الله عليه وسلم على دينهما فحرسهما وكيف أشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التهمة ، حتى لا يتساهل العالم الورع المعروف بالدين في أحواله فيقول : مثلي لا يظن به إلا الخير إعجابا منه بنفسه ، فإن أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة ، بل بعين الرضا بعضهم وبعين السخط بعضهم ولذلك قال الشاعر : .
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
فيجب الاحتراز عن ظن السوء وعن تهمة الأشرار ؛ فإن الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر ، فمهما رأيت إنسانا يسيء الظن بالناس طالبا للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ، ذلك خبثه يترشح منه ، وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب ، ولو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه ، وفي هذا القدر ما ينبه على غيره ، فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان ومدخل من مداخله .فإن قلت : فما العلاج في دفع الشيطان ? وهل يكفي في ذلك ذكر الله تعالى وقول الإنسان : لا حول ولا قوة إلا بالله فاعلم أن علاج القلب في ذلك سد هذه المداخل بتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة وذلك مما يطول ذكره ، وغرضنا في هذا الربع من الكتاب بيان علاج الصفات المهلكات ، وتحتاج كل صفة إلى كتاب منفرد على ما سيأتي شرحه نعم إذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات كان للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات ، ولم يكن له استقرار ويمنعه من الاجتياز ذكر الله تعالى ؛ لأن حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتقوى وتطهيره من الصفات المذمومة وإلا فيكون الذكر حديث نفس لا سلطان له على القلب ، فلا يدفع سلطان الشيطان ، ولذلك قال الله تعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون خصص بذلك المتقي فمثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك ، فإن لم يكن بين يديك خبز أو لحم فإنه ينزجر بأن تقول له اخسأ فمجرد الصوت يدفعه ، فإن كان بين يديك لحم وهو جائع فإنه يهجم على اللحم ولا يندفع بمجرد الكلام فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر فأما الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي القلب فلم يتمكن من سويدائه فيستقر الشيطان في سويداء القلب .


