الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَهَذِهِ أُصُولُ الْإِسْلَامِ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالْحِكْمَةُ وَالِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ الِاسْتِمْسَاكُ بِهَا. وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ فِيهَا مِنْ حُرْمَةِ خُلَفَائِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا أَوْجَبَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ أَدَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِسَاءَهُ عَلَى عَلِيِّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا". وَسُنَّتُهُ تُفَسِّرُ كِتَابَ اللَّهِ وَتُبَيِّنُهُ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَالَ: "هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي" -مَعَ أَنَّ سِيَاقَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ مَعَ أَزْوَاجِهِ-عَلَّمَنَا أَنَّ أَزْوَاجَهُ وَإِنْ كُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَهَؤُلَاءِ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونُوا أَهْلَ بَيْتِهِ، لِأَنَّ صِلَةَ النَّسَبِ أَقْوَى مِنْ صِلَةِ الصِّهْرِ. وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ هَذَا الْبَيَانَ لِلِاخْتِصَاصِ بِالْكَمَالِ لَا لِلِاخْتِصَاصِ بِأَصْلِ الْحُكْمِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَإِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُتَفَطَّنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا" . بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِكَمَالِ الْمَسْكَنَةِ، بِخِلَافِ الطَّوَّافِ فَإِنَّهُ لَا تَكْمُلُ فِيهِ الْمَسْكَنَةُ، لِوُجُودِ مَنْ يُعْطِيهِ أَحْيَانًا، مَعَ أَنَّهُ مِسْكِينٌ أَيْضًا. وَيُقَالُ: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ، وَهَذَا هُوَ الْعَدُوُّ، وَهَذَا هُوَ الْمُسْلِمُ، لِمَنْ كَمُلَ فِيهِ ذَلِكَ، وَإِنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ وَكَانَ دُونَهُ. وَنَظِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ: "مَسْجِدِي هَذَا" يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ. مَعَ أَنَّ سِيَاقَ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ عَنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ، فَإِنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ قُبَاءَ: "مَا هَذَا الطَّهُورُ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِهِ؟ "، فَقَالُوا: لِأَنَّنَا نَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ . لَكِنَّ مَسْجِدَهُ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَسَّسًا عَلَى التَّقْوَى مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُؤَسَّسًا عَلَى التَّقْوَى، وَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يَقُومَ فِيهِ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا . فَكَانَ يَقُومُ فِي مَسْجِدِهِ الْقِيَامَ الْجَامِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَقُومُ بِقُبَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَدْ قَامَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُؤَسَّسِ عَلَى التَّقْوَى.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية