الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكذلك ما يتعلق بالنذور والمساجد والمشاهد، فإن الله في كتابه وسنة نبيه التي نقلها السابقون والتابعون من أهل بيته وغيرهم قد أمر بعمارة المساجد، وإقامة الصلوات فيها بحسب الإمكان، ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من يفعل ذلك. قال الله تعالى: [ ص: 101 ]

إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين .

وقال تعالى: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين .

وقال تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال وقال: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا .

وقال: ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة" .

وقال: "بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" . [ ص: 102 ]

وقال: "من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح" .

وقال: "صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة" .

وقال: "من تطهر في بيته فأحسن الطهور، وخرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة، والأخرى تضع خطيئة" .

وقال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر كان أحب إلى الله" .

وقال: "سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة" . [ ص: 103 ]

وقال: "يصلون لكم، فإن أحسنوا فلكم، وإن أساءوا فلكم وعليهم" .

وهذا باب واسع جدا.

وقال أيضا: "لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا . قالوا: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا ، وهذا قاله في مرضه.

وقال قبل موته بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" .

ولما ذكر كنيسة الحبشة قال: "أولئك إذا مات الرجل فيهم بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" .

وكل هذه الأحاديث في الصحاح المشاهير.

وقال أيضا: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". رواه الترمذي وغيره ، وقال: حديث حسن. [ ص: 104 ]

فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد لعن الذين يتخذون على القبور المساجد، ويسرجون عليها الضوء، فكيف يستحل مسلم أن يجعل هذا طاعة وقربة؟

وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته".

وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" .

وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" .

فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاجتماع عند قبره، وأمر بالصلاة عليه في جميع المواضع، فإن الصلاة عليه تصل إليه من جميع المواضع.

وهذه الأحاديث رواها أهل بيته، مثل علي بن الحسين عن أبيه عن جده علي، ومثل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكانوا هم وجيرانهم من علماء أهل المدينة ينهون عن البدع التي عند [ ص: 105 ] قبره أو قبر غيره، امتثالا لأمره متابعة لشريعته، فإن من مبدأ عبادة الأوثان: العكوف على قبور الأنبياء والصالحين والعكوف على تماثيلهم، وإن كانت وقعت بغير ذلك.

وقد ذكر الله في كتابه عن المشركين أنهم قالوا: لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا . وقد روى طائفة من علماء السلف أن هؤلاء كانوا قوما صالحين، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم . وكذلك قال ابن عباس في قوله: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، قال ابن عباس: كان اللات رجلا يلت السويق للحجاج، فلما مات عكفوا على قبره .

ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ، ونهى أن يصلى عند قبره. ولهذا لما بنى المسلمون حجرته حرفوا مؤخرها وسنموه، لئلا يصلى إليه، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"، رواه مسلم .

وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم ويدعو لهم ، [ ص: 106 ] وعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور : "سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم اجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم".

هذا مع أن في البقيع إبراهيم وبناته أم كلثوم ورقية وسيدة نساء العالمين فاطمة، وكانت إحداهن دفنت فيه قديما قريبا من غزوة بدر، ومع ذلك فلم يحدث على أولئك السادة شيئا من هذه المنكرات، بل المشروع التحية لهم والدعاء بالاستغفار وغيره.

التالي السابق


الخدمات العلمية