الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والأصل في هذا الباب أن كل ما ثبت في كتاب الله أو سنة رسوله وجب التصديق به، مثل علو الرب واستوائه على عرشه ونحو ذلك. وأما الألفاظ المبتدعة في النفي والإثبات مثل قول القائل: هو في جهة أو ليس هو في جهة، وهو متحيز أو ليس بمتحيز، ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع فيها الناس، وليس مع أحدهم نص، لا عن الرسول ولا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة المسلمين، فإن هؤلاء لم يقل أحد منهم: إن الله في جهة، ولا قال: ليس هو في جهة؛ ولا قال: هو متحيز، ولا قال: ليس بمتحيز؛ ولا قال: هو جسم أو جوهر، ولا قال: ليس بجسم ولا جوهر. فهذه [ ص: 202 ] الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب ولا في السنة ولا الإجماع. والناطقون بها قد يريدون معنى صحيحا، وقد يريدون معنى فاسدا، فمن أراد معنى صحيحا يوافق الكتاب والسنة كان ذلك المعنى مقبولا منه، وإن أراد معنى فاسدا يخالف الكتاب والسنة كان ذلك المعنى مردودا عليه.

فإذا قال القائل: إن الله في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد بذلك أنه في جهة موجودة تحصره وتحيط به، مثل أن يكون في جوف السماء؟ أم تريد الجهة أمرا عدميا؟ وهو ما فوق العالم، فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات. فإن أردت الجهة الوجودية وجعلت الله محصورا في المخلوقات فهذا باطل، وإن أردت الجهة العدمية وأردت أن الله وحده فوق المخلوقات بائن منها فهذا حق، وليس في ذلك شيء من المخلوقات حصره ولا أحاط به ولا علا عليه، بل هو العالي عليها المحيط بها، وقد قال تعالى: وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون .

وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يقبض الأرض يوم القيامة، ويطوي السماوات بيمينه ثم يهزهز، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ". وقال ابن عباس : ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم.

وفي حديث آخر: أنه يرميها كما يرمي الصبيان الكرة. فمن يكون [ ص: 203 ] جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى في هذا الصغر والحقارة كيف تحيط به وتحصره؟

ومن قال: إن الله ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات رب يعبد، ولا على العرش إله، ومحمد لم يعرج به إلى الله تعالى، والأيدي لا ترفع إلى الله تعالى في الدعاء، ولا تتوجه القلوب إليه فهذا فرعوني معطل جاحد لرب العالمين.

وإن كان معتقدا أنه مقر به، فهو جاهل متناقض في كلامه. ومن هنا دخل أهل الحلول والاتحاد كابن عربي، وقالوا: إن الله بذاته في كل مكان، وأن وجود المخلوقات هو وجود الخالق.

وإن قال: مرادي بقولي "ليس في جهة" أنه لا تحيط به المخلوقات، بل هو بائن عن المخلوقات فقد أصاب في هذا المعنى.

وكذلك من قال: إن الله متحيز، أو قال: ليس بمتحيز، إن أراد بقوله "متحيز" أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ. وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات لا تحويه فقد أصاب. وإن أراد: ليس ببائن عنها، بل هو لا داخل فيها ولا خارج عنها فقد أخطأ.

التالي السابق


الخدمات العلمية