الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي ثُبُوتِهِ بِالْعَقْلِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ، مَسْأَلَةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ، هَلْ ثَبَتَتْ بِالْعَقْلِ؟ وَمَسْأَلَةُ وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَشُكْرِهِ، وَمَسْأَلَةُ الْأَعْيَانِ قَبْلَ السَّمْعِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ كَتَبْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، إِذِ الْمَقْصُودُ هُنَا النُّكَتُ الْمُسْتَغْرَبَةُ. وَأَمَّا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فَمَعْلُومٌ بِالسَّمْعِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَلْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ؟ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعَادِ، فَإِنَّ الْمَعَادَ مَعْلُومٌ بِالسَّمْعِ بِلَا رَيْبٍ، وَهَلْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ؟ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَى أَنَّ الْمَعَادَ مِنَ الْأُمُورِ السَّمْعِيَّةِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالسَّمْعِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَذَهَبَ طَوَائِفُ إِلَى أَنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، ثُمَّ تَنَوَّعَتْ مَسَالِكُهُمْ: مِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى وُجُوبِ الْعَدْلِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي مَعَادًا غَيْرَ هَذِهِ الدَّارِ، يُجْزَى فِيهَا الظَّالِمُونَ بِظُلْمِهِمْ، أَوْ يُعَوَّضُ الْمُعَذَّبُونَ عَلَى عَذَابِهِمْ. وَهَذَا مَسْلَكُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ غَيْرُ الْبَدَنِ، وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَهُ، وَأَنَّ لَهَا مِنَ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ الرُّوحَانِيَّيْنِ مَا لَا يُفَارِقُهَا. وَهَذَا مَسْلَكُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُثْبِتُ مَعَادَ الْأَرْوَاحِ الْعَالِمَةِ دُونَ الْجَاهِلَةِ، وَفِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُ الْمَعَادَيْنِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِالسَّمْعِ وَاجِبَةٌ، وَأَمَّا بِالْعَقْلِ فَقَدْ تُعْرَفُ وَقَدْ لَا تُعْرَفُ، فَلَيْسَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَقْلِ مُمْتَنِعَةً، وَلَا هِيَ أَيْضًا وَاجِبَةٌ. وَأَمَّا الْمُتَفَلْسِفَةُ فَتُثْبِتُ الْمَعَادَ بِالْعَقْلِ، وَتُثْبِتُ التَّكْلِيفَ الْعَقْلِيَّ، وَأَمَّا مَا جَاءَ بِهِ السَّمْعُ مِنَ الْمَعَادِ وَالشَّرَائِعِ فَلَهَا فِيهِ تَأْوِيلَاتٌ مُحَرَّفَةٌ. فَصَارَتِ الْأَقْسَامُ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَفِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ: هَلْ هُوَ مَعْلُومٌ بِالشَّرْعِ وَحْدَهُ أَوْ بِالْعَقْلِ وَحْدَهُ أَوْ يُعْلَمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ. وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ جَمِيعُهُ بِالشَّرْعِ قَطْعًا، وَقَدْ يُعْلَمُ بَعْضُهُ [بِالْعَقْلِ] . بَلْ مِثْلَ هَذَا الْخِلَافِ ثَابِتٌ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّ الْتِجَاءَ الْمُتَكَلِّمِينَ هُنَاكَ إِلَى الْعَقْلِ أَكْثَرُ. وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ -كَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ- لَا يُعْلَمُ عِنْدَهُمْ وُجُودُ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ إِلَّا بِالْعَقْلِ، كَمَا يَزْعُمُهُ الْفَلَاسِفَةُ، مَعَ اضْطِرَابِ هَؤُلَاءِ وَآخَرِينَ فِي مُقَابَلَتِهِمْ. وَقَدْ كَتَبْتُ تَفَاصِيلَ أَقْوَالِ النَّاسِ وَبَيَّنْتُ مَذْهَبَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ فِي هَذَا الْأَصْلِ فِي "قَاعِدَةِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَمَسْأَلَةِ الْجِسْمِ"، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا التَّكْلِيفُ وَتَوَابِعُهُ. وَإِنَّمَا قَرَنْتُ بَيْنَ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، فَأَشَرْتُ إِلَى طُرُقِ النَّاسِ فِي مَعْرِفَتِهَا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا، حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا دَائِمًا بِدَوَامِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَرَغْتُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَادِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَسَبْعِ مِئَةٍ. عَلَّقَهَا الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ الْغَفُورِ، وَعَفْوِهِ وَصَفْحِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ وَسَتْرِهِ وَبِرِّهِ وَمَنِّهِ: عَبْدُ الْمُنْعِمِ الْبَغْدَادِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية