الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَكَذَلِكَ الْحَمْدُ، كُلَّمَا حَمِدَ الْعَبْدُ رَبَّهُ تَحَقَّقَ حَمْدُهُ فِي قَلْبِهِ مَعْرِفَةً بِمَحَامِدِهِ وَمَحَبَّةً لَهُ وَشُكْرًا لَهُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فِيهَا قَوْلَانِ ، قِيلَ: هِيَ لِلْجِنْسِ، كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ. وَالثَّانِي -وَهُوَ الصَّحِيحُ-: أَنَّهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَالْحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: "لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ". فَلَهُ الْحَمْدُ حَمْدٌ مُسْتَقِلٌّ، وَلَهُ الْمُلْكُ مُلْكٌ مُسْتَقِلٌّ، وَلَكِنْ هُوَ سُبْحَانَهُ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَالَّذِي يُؤْتِيهِ هُوَ مِنْ مُلْكِهِ، وَكُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ الْعَبْدُ فَهُوَ مِنْ مُلْكِ الرَّبِّ، وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ بِالْمُلْكِ، لَيْسَ هَذَا لِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ الْحَمْدُ هُوَ مُسْتَقِلٌّ بِالْحَمْدِ كُلِّهِ، فَلَهُ الْحَمْدُ كُلُّهُ وَلَهُ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَكُلُّ مَا جَاءَ بِهِ الْإِذْنُ مِنْ مَوْجُودٍ فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا يَجْعَلُهُ لِلْعِبَادِ مِمَّا يُحْمَدُونَ عَلَيْهِ فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَلْهَمَهُمُ الْحَمْدَ فَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ حَامِدِينَ. وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ جَعَلَ الْحَامِدَ حَامِدًا وَالْمُصَلِّيَ مُصَلِّيًا وَالْمُسْلِمَ مُسْلِمًا، بَلْ يُثْبِتُونَ وُجُودَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنَ الْعَبْدِ لَا مِنَ اللَّهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدُ عَلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ عَلَى أَصْلِهِمْ، إِذْ كَانَ مَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الْقُدْرَةِ وَالتَّمْكِينِ وَإِزَاحَةِ الْعِلَلِ قَدْ أَعْطَى الْكُفَّارَ مِثْلَهُ، لَكِنِ الْمُؤْمِنُونَ اسْتَقَلُّوا بِفِعْلِ الْحَسَنَاتِ، كَالْأَبِ الَّذِي يُعْطِي ابْنَيْهِ مَالًا، فَهَذَا يُنْفِقُهُ فِي الطَّاعَةِ، وَهَذَا يُنْفِقُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ. فَهُوَ عِنْدَهُمْ لَا يُمْدَحُ عَلَى إِنْفَاقِ هَذَا الِابْنِ، كَمَا لَا يُذَمُّ عَلَى إِنْفَاقِ الْآخَرِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ، وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ الْآيَةَ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ هُوَ وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ: وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ . وَيَحْمَدُونَ اللَّهَ حَمْدَ النِّعْمَةِ وَحَمْدَ الْعِبَادَةِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي الْكَلَامِ فِي الشُّكْرِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ مَحْمُودًا، وَمُحَمَّدًا سَيِّدَ الْمَحْمُودَيْنِ، وَمُحَمَّدٌ تَكُونُ صِفَاتُهُ الْمَحْمُودَةُ أَكْثَرَ، وَأَحْمَدُ يَكُونُ أَحْمَدَ مِنْ غَيْرِهِ، فَهَذَا أَفْضَلُ، وَذَاكَ أَكْثَرُ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُ مُحَمَّدًا وَأَحْمَدَ. فَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى ذَلِكَ، وَحَمْدُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جُزْءٌ مِنْ حَمْدِهِ، فَإِنَّ حَمْدَ الْمَصْنُوعِ حَمْدُ صَانِعِهِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مُلْكٍ هُوَ جُزْءٌ مِنْ مُلْكِهِ، فَلَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ. وَالْحَمْدُ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ، وَهُوَ مَنَاطُ التَّوْحِيدِ وَمُقَدِّمَةٌ لَهُ، وَلِهَذَا يُفْتَحُ بِهِ الْكَلَامُ، وَيُثَنَّى بِالتَّشَهُّدِ. وَكُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ، وَكُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ. وَإِذَا كَانَ الْحَمْدُ كُلُّهُ لَهُ.... بِخِلَافِ مَا إِذَا أَثْبَتَ جِنْسَ الْحَمْدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِغْرَاقٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُثْبِتُ خَصَائِصَ الرَّبِّ الَّتِي بِهَا يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَمْدَ إِذَا كَانَ لِلْجِنْسِ أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ أَفْرَادٌ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْجِنْسِ، كَمَا تَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلُّهُ، وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ حَمْدٌ مُقَيَّدٌ، لِكَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَيْهِ، كَمَا لِلْعَبْدِ مُلْكٌ مُقَيَّدٌ. وَأَمَّا الْمُلْكُ الْمُسْتَقِلُّ وَالْحَمْدُ الْمُسْتَقِلُّ وَالْمُلْكُ الْعَامُّ وَالْحَمْدُ الْعَامُّ فَهُوَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَفِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ -فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا أَمْسَى فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ". وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ . وَقَالَ تَعَالَى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أَيْ: تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ أَنَّكُمْ تُضِيفُونَهَا إِلَى غَيْرِهِ بِقَوْلِكُمْ "مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا". وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ الْآيَةَ. وَقَالَ: هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : "مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ظَلَّ تُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِيَ ظَلَّ تُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ حَتَّى يُصْبِحَ". رَوَاهُ أَبَانُ الْمُحَارِبِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا قَرَأْتَ: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقُلْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وَقُلْ عَلَى أَثَرِهَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ". وَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية