الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله

وهذه إشارة إلى أن كل ما يشغل عن الله تعالى فهو نقصان فلينظر المريد إلى حاله وقلبه ، فإن وجده في العزوبة فهو الأقرب وإن عجز عن ذلك ، فالنكاح أولى به ودواء هذه العلة ثلاثة أمور الجوع وغض البصر والاشتغال بشغل يستولي على القلب فإن لم تنفع هذه الثلاثة ، فالنكاح هو الذي يستأصل مادتها فقط ولهذا كان السلف يبادرون إلى النكاح وإلى تزويج البنات قال سعيد بن المسيب ما أيس إبليس من أحد إلا وأتاه من قبل النساء وقال سعيد أيضا وهو ابن أربع وثمانين سنة ، وقد ذهبت إحدى عينيه وهو ، يعشو بالأخرى : ما شيء أخوف عندي من النساء وعن عبد الله بن أبي وداعة قال : كنت أجالس سعيد بن المسيب فتفقدني أياما ، فلما أتيته قال : أين كنت ؟ قلت : توفيت أهلي ، فاشتغلت بها ، فقال : هلا أخبرتنا فشهدناها قال : ثم أردت أن أقوم ، فقال : هل استحدثت امرأة فقلت : يرحمك الله تعالى ، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ فقال : أنا . فقلت : وتفعل ؟ قال : نعم . فحمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، وزوجني على درهمين . أو قال: ثلاثة ، قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح ، فصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ ، وممن أستدين ، فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي فأسرجت وكنت صائما ، فقدمت عشائي لأفطر ، وكان خبزا وزيتا وإذا بابي يقرع ، فقلت : من هذا ؟ قال : سعيد . قال : فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب وذلك أنه لم ير أربعين سنة إلا بين داره والمسجد ، قال : فخرجت إليه فإذا ، به سعيد بن المسيب ، فظننت أنه قد بدا له فقلت : يا أبا محمد ، لو أرسلت إلي لأتيتك . فقال : لا ، أنت أحق أن تؤتى . قلت : فما تأمر ؟ قال : إنك كنت رجلا عزبا ، فتزوجت ، فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك ، وهذه امرأتك ، وإذا هي قائمة خلفه في طوله ، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ورده فسقطت المرأة من الحياء ، فاستوثقت من الباب ، ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت ، فوضعتها في ظل السراج ؛ لكيلا تراه ثم صعدت السطح فرميت الجيران فجاءوني ، وقالوا : ما شأنك ؟ قلت ويحكم ، زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم ، وقد جاء بها الليلة على غفلة فقالوا: أو سعيد زوجك ؟ قلت : نعم . قالوا : وهي في الدار ؟ قلت : نعم . فنزلوا إليها ، وبلغ ذلك أمي فجاءت وقالت : وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام قال ، فأقمت ثلاثا ، ثم دخلت بها ، فإذا هي من أجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعرفهم بحق الزوج ، قال : فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه ، فلما كان بعد الشهر أتيته ، وهو في حلقته ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس ، فقال ما : حال ذلك الإنسان ؟ فقلت بخير : يا أبا محمد ، على ما يحب الصديق ويكره العدو ؟ قال : إن رابك منه أمر فدونك والعصا . فانصرفت إلى منزلي ، فوجه إلي بعشرين ألف درهم ، قال عبد الله بن سليمان وكانت بنت سعيد بن المسيب هذه قد خطبها منه عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد ، وصب عليه جرة ماء ، وألبسه جبة صوف فاستعجال سعيد في الزفاف تلك الليلة يعرفك غائلة الشهوة ، ووجوب المبادرة في الدين إلى تطفئة نارها بالنكاح رضي الله تعالى عنه ورحمه .

التالي السابق


(وهذا إشارة إلى أن كل ما شغل عن الله تعالى فهو نقصان ) ، فإذا الزواج في حق المريد نقصان لحاله; لأنه اشتغال بالزوجة، فلا يصح له أن يشتغل بغير الله تعالى، (فلينظر المريد إلى حاله وقلبه، فإن وجده ساكنا في العزبة) غير متطلع إلى الشهوة، (فهو أقرب) إلى سلوكه، (وإن عجز عن ذلك، فالنكاح أولى به) ، وسئل سهل رحمه الله تعالى عن النساء فقال: الصبر عنهن خير من الصبر عليهن، والصبر عليهن خير من معالجة النساء. وقال أبو الحسن علي بن سالم البصري ، وقد سئل عن التزويج فقال: لا يصلح في هذا الوقت إلا لرجل يدركه من الشبق ما يدرك الحمار إذا نظر إلى أتان لم يملك نفسه أن يثب عليها حتى يضرب رأسه، وهو لا ينثني، فإذا كان الإنسان على مثل هذا الوصف كان التزويج له أفضل، (ودواء هذه العلة ثلاث) خصال: (الجوع) ، وهو أكثرها تأثيرا، (وغض البصر) وهي تليها، (والاشتغال بشغل يستولي على القلب) ، ويغلبه بالكلية، فلا تكون له وجهة إلى شيء سوى ما هو فيه، (فإن لم تنفع هذه الثلاث، فالنكاح هو الذي يستأصل مادتها) ويقطع شأفتها (فقط) ، وما بعده دواء يستعان به على دفع هذا المرض، (ولهذا كان السلف يبادرون إلى النكاح) خوفا من الوقوع في شيء من فتن النفس، ويراعون المعالجة قبل حلول المرض، (و) كانوا يبادرون أيضا (إلى تزويج البنات) والأولاد، ولو قبل البلوغ؛ خشية من الافتتان عليهن وعليهم .

(قال سعيد بن المسيب) القرشي التابعي رحمه الله تعالى (ما أيس [ ص: 438 ] إبليس من أحد إلا وأتاه من قبل النساء) أي: فإنهن حبائله، بهن يصطاد الرجال. (وقال) سعيد أيضا: (وسنه أربع وثمانون سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه، وكان يعشو بالأخرى: ما شيء عندي أخوف من النساء) ، قلت: قوله: أربع وثمانون، هكذا وقع في نسخ الكتاب، والصواب أربع وسبعون؛ فإن الواقدي صرح بأن وفاته سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك ، قال: وهو ابن خمس وسبعين سنة، وفي قول غير الواقدي أنه مات سنة ثلاث وتسعين، فيكون عاش أربعا وسبعين سنة، واختلف في ولادته، فقيل: لسنتين مضتا من خلافة عمر ، وقيل: لأربع سنين، وأما قوله: وقد ذهبت إحدى عينيه، فقد قال أحمد بن عبد الله العجلي في ترجمته إنه كان أعور، وذكره صاحب الشعور في العور، (وعن عبد الله بن أبي وداعة) الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو القرشي السهمي -أخو المطلب بن وداعة، أمهما أروى بنت الحارث بن عبد المطلب -، ذكره المرزباني في معجم الشعراء، وقال: أدرك الإسلام فأسلم، وعمر دهرا بعد ذلك، وأورده الحافظ في الإصابة، وقال: هذا على الشرط، فإنه لم يبق بمكة بعد الفتح من قريش أحد إلا أسلم، وشهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره الزبير بن بكار في أنساب قريش ، وقال: أسلم وعاش في الإسلام، وليس له عقب، (قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب ) ، أي: أختلف إليه في مجالسه، (ففقدني أياما، فلما أتيته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي، فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا بموتها فشهدناها) ، أي: جنازتها، (قال: ثم أردت أن أقوم، فقال: هل استحدثت امرأة) أخرى، (فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: أنا. فقلت: وتفعل؟ قال: نعم. فحمد الله تعالى وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، وزوجني على الدرهمين. أو قال: على الثلاثة، قال) عبد الله : (فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ، وممن أستدين، فصليت المغرب وانصرفت) إلى المنزل، (فأسرجت) ، أي: أوقدت فيه سراجا، (وكنت صائما، فقدمت عشائي لأفطر، وكان) العشاء خبزا وزيتا، (وإذا بابي يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد . قال: فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب ) ؛ فإنه لم يخطر ببالي، (وذلك أنه لم ير أربعين سنة إلا بين داره والمسجد، قال: فخرجت إليه، وإذا به سعيد بن المسيب ، فظننت أنه قد بدا له) رأي في أمر ابنته، (فقلت: يا أبا محمد ، لو أرسلت إلي لأتيتك. فقال: لا، أنت أحق أن تؤتى. قلت: فما تأمر؟ قال: إنك قد كنت رجلا عزبا، فتزوجت، فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك، وهذه امرأتك، وإذا هي قائمة خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب) إلى جهة الدار، (ورده) أي: الباب، (فسقطت المرأة) مما غلب عليها (من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت، فوضعتها في ظل السراج؛ لكيلا تراه) ، فتستحقره، (ثم صعدت السطح فرميت الجيران) ، أي: بالحصاة، (فجاؤوني، وقالوا: ما شأنك؟ قلت) لهم: (ويحكم، زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم، وقد جاء بها الليلة على غفلة، قالوا: وسعيد زوجك؟ قلت: نعم. قالوا: وهي في الدار؟ قلت: نعم. فنزلوا إليها، وبلغ ذلك أمي) ، وهي أروى بنت الحارث بن عبد المطلب ، ذكرها ابن سعد في الصحابيات في باب بنات عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أمها غزية بنت قيس بن طريف ، من بني فهر بن مالك ، قال: وولدت لأبي وداعة المطلب ، وأبا سفيان وأم جميل وأم حكيم ، والرابعة . اهـ. ولم يذكر عبد الله ، وممن صرح بأنها أمه الحافظ في ترجمة عبد الله في الإصابة، (وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثا، ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله) تعالى، (وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق الزوج، [ ص: 439 ] قال: فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه، فلما كان بعد الشهر أتيته، وهو في حلقته، فسلمت عليه، فرد علي السلام ولم يكلمني) ، والناس حوله (حتى تفرق الناس من المجلس، فقال: وما حال ذلك الإنسان؟) يعني به ابنته، (فقلت: يا أبا محمد ، على ما يحب الصديق ويكره العدو؟ قال: إن رابك أمر) أي: من المخالفة لك، (فدونك والعصا. فانصرفت إلى المنزل، فوجه إلي بعشرين ألف درهم، قال عبد الله بن سليمان ) أحد رواة هذه القصة، (وكان عبد الملك بن مروان قد خطبها منه لابنه الوليد حين ولاه العهد) ، وأن يكون خليفة بعده، (فأبى أن يزوجه) إياها، (فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مئة سوط في يوم بارد، وصب عليه جرة ماء، وألبسه جبة صوف) ، وأشهره بين الناس، (فاستعجال سعيد ) رحمه الله تعالى (في الزفاف تلك الليلة يعرفك غائلة الشهوة، ووجوب المبادرة إلى تطفئة نارها بالنكاح ) ، وفيه أنه عصم رحمه، حيث لم يزوجها للوليد ، لما كان فيه من الظلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث