الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فلا تحل له من بعد ) ، أي : من بعد هذا الطلاق الثالث ، ( حتى تنكح زوجا غيره ) ، والنكاح يطلق على العقد وعلى الوطء ، فحمله ابن المسيب ، وابن جبير ، وذكره النحاس في معاني القرآن له على العقد ، وقال : إذا عقد عليها الثاني حلت للأول ، وإن لم يدخل بها ولم يصبها ، وخالفه الجمهور ؛ لحديث امرأة رفاعة المشهور ، فقال الحسن : لا يحل إلا الوطء والإنزال ، وهو ذوق العسيلة . وقال باقي العلماء : تغييب الحشفة يحل ، وقال بعض الفقهاء : التقاء [ ص: 201 ] الختانين يحل ، وهو راجع للقول قبله ؛ إذ لا يلتقيان إلا مع المغيب الذي عليه الجمهور ، وفي قوله : ( حتى تنكح زوجا غيره ) دلالة على أن نكاح المحلل جائز ؛ إذ لم يعني الحل إلا بنكاح زوج ، وهذا يصدق عليه أنه نكاح زوج فهو جائز ، وإلى هذا ذهب ابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وداود ، وهو قول الأوزاعي في رواية ، والثوري في رواية ، وقول الشافعي في كتابه الجديد المصري ؛ إذا لم يشترط التحليل في حين العقد . وقال القاسم ، وسالم ، وربيعة ، ويحيى بن سعد : لا بأس أن يتزوجها ليحللها إذا لم يعلم الزوجان ، وهو مأجور ، وقال مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي في القديم ، وأبو حنيفة في رواية : لا يجوز ، ولا تحل للأول ، ولا يقر عليه ، وسواء علما أم لم يعلما . وعن الثوري أنه لو شرط بطل الشرط وجاز النكاح ، وهو قول ابن أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة . وقال الحسن ، وإبراهيم : إذا علم أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح . وفي قوله : ( زوجا غيره ) دلالة على أن الناكح يكون زوجا ، فلو كانت أمة وطلقت ثلاثا - أو اثنتين على مذهب من يرى ذلك - ثم وطئها سيدها لم تحل للأول ، قاله علي ، وعبيدة ، ومسروق ، والشعبي ، وجابر ، وإبراهيم ، وسليمان بن يسار ، وحماد ، وأبو زياد ، وجماعة فقهاء الأمصار . وروي عن عثمان ، وزيد بن ثابت ، والزبير أنه يحلها إذا غشيها غشيانا لا يريد بذلك مخادعة ولا إحلالا ، وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق . وفي قوله : " زوجا " دلالة أيضا على أنه لو كان الزوج عبدا وهي أمة ووهبها السيد له بعد بت طلاقها ، أو اشتراها الزوج بعد ما بت طلاقها لم تحل له في الصورتين بملك اليمين حتى تنكح زوجا غيره . قال أبو عمر : على هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى : مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال ابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن : تحل بملك اليمين . وفي قوله : " زوجا غيره " دلالة على أنه إذا تزوج الذمية المبتوتة من المسلم بالثلاث ذمي ، ودخل بها وطلقت ؛ حلت للأول . وبه قال الحسن ، والزهري ، والثوري ، والشافعي ، وأبو عبيد ، وأصحاب أبي حنيفة . وقال مالك ، وربيعة : لا يحلها . وظاهر قوله : " حتى تنكح زوجا " أنه بنكاح صحيح ، فلو نكحت نكاحا فاسدا لم يحل ، وهو قول أكثر العلماء : مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وأصحاب أبي حنيفة . وقال الحكم : هو زوج . وأجمعوا على أن المرأة إذا قالت للزوج الأول : قد تزوجت ، ودخل علي زوجي وصدقها ؛ أنها تحل للأول . قال الشافعي : والورع أن لا يفعل إذا وقع في نفسه أنها كذبته . وفي الآية دليل على أن اسم زوج كاف ، سواء كان قوي النكاح أم ضعيفه ، أو صبيا أو مراهقا ، أو مجبوبا بقي له ما يغيبه كما يغيب غير الخصي ، وسواء أدخله بيده أو بيدها ، وكانت محرمة أو صائمة ، وهذا كله على ما وصف الشافعي قول أبي حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والأوزاعي ، والحسن بن صالح ، وقول بعض أصحاب مالك . وقال مالك في أحد قوليه : لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها ، ومذهب جمهور الفقهاء أن المطلقة ثلاثا لا تحل لذلك الزوج إلا بخمسة شرائط : تعتد منه ، ويعقد للثاني ، ويطؤها ، ثم يطلقها ، وتعتد منه . وكون الوطء شرطا قيل : ثبت بالسنة ، وقيل : بالكتاب ، وهو قول أبي مسلم . وقيل : هو المختار ؛ لأن أبا علي نقل أن العرب تقول : نكح فلان فلانة بمعنى عقد عليها . ونكح امرأته أو زوجته أي : جامعها . وقد مر لنا طرق من هذا . قال في ( المنتخب ) ، بعد كلام كثير محصوله أن قوله : حتى تنكح زوجا غيره ، يدل على ما تقدم الزوجية ، وهي العقد الحاصل بينهما ، ثم النكاح على من سبقت زوجته ، فيتعين أن يراد به الوطء ، فيكون قوله : " تنكح " دالا على الوطء ، و " زوجا " يدل على العقد . ولا يتعين ما قاله ؛ إذ يجوز أن لا يدل على أن تتقدم الزوجية بجعل تسميته زوجا بما تؤول إليه حاله ، فيكون التقدير : حتى يعقد على من يكون زوجا . وقال في ( المنتخب ) أيضا : أما قول من يقول : الآية لا تدل على الوطء ، وإنما ثبت بالسنة فضعيف ؛ لأن [ ص: 202 ] الآية تقتضي نفي الحل ممدودا إلى غاية ، وما كان غاية للشيء يجب انتهاء الحكم عند ثبوته ؛ فيلزم انتفاء الحرمة عند حصول النكاح ، فلو كان النكاح عبارة عن العقد لكانت الآية دالة على وجوب انتهاء هذه الحرمة عند حصول العقد ، فكان رفعها بالخبر نسخا للقرآن بخبر الواحد ، وأنه غير جائز ، أما إذا حملنا النكاح على الوطء ، وحملنا قوله : " زوجا " على العقد ، لم يلزم هذا الإشكال . انتهى . ولا يلزم ما ذكره من هذا الإشكال ، وهو أنه يلزم من ذلك نسخ القرآن بخبر الواحد ؛ لأن القائل يقول : لم يجعل نفي الحل منتهيا إلى هذه الغاية التي هي نكاحها زوجا غيره فقط . وإن كان الظاهر في الآية ذلك ، بل ثم معطوفات قبل الغاية المذكورة في الآية وما بعدها ، يدل على إرادتها ، وهي غايات أيضا ، والتقدير : فلا تحل له من بعد ، أي : من بعد الطلاق الثلاث حتى تنقضي عدتها منه ، وتعقد على زوج غيره ويدخل بها ويطلقها ، وتنقضي عدتها منه ؛ فحينئذ تحل للزوج المطلق ثلاثا أن يتراجعا ، فقد صارت الآية من باب ما يحتاج بيان الحل فيه إلى تقدير هذه المحذوفات وتبيينها ، ودل على إرادتها الكتاب والسنة الثابتة ، وإذا كانت كذلك ، وبين هذه المحذوفات الكتاب والسنة ، فليس ذلك من باب نسخ القرآن بخبر الواحد ، ألا ترى أنه يلزم أيضا من حمل النكاح هنا على الوطء أن يضمر قبله : حتى تعقد على زوج ويطأها . فلا فرق في الإضمار بين أن يكون مقدما على الغاية المذكورة المراد بها الوطء ، أو يكون مؤخرا عنها إذا أريد به العقد ، فهذا إضمار يدل عليه الكتاب والسنة ؛ فليس من باب النسخ في شيء .

التالي السابق


الخدمات العلمية